شيء من الحداثة في مقولة "الله والطبيعة والكون"
ليس تكرارنا لمفاهيم بعينها، كمفهوم تسليع الرأسمالية المتأخرة للإنسان لجان بودريار تزييفا لمعنى سعادته واستحقاقاته، وتلخيصها في الإشباع الذاتي والتمركز حول الذات، وهابيتوس Habitus وعنف بيير بورديو الرمزي، ونظام خطاب الهيمنة وسلطته الاجتماعية بوعي أو بغير وعي لميشيل فوكو إلا لأننا بصدد انعطافات شهدتها المناهج البنيوية وما بعد البنيوية المتقصِية لمعنى النص بمعونة الوظيفية والمذهبية، وللمذهب دور في ولادة مفاهيم مشيّدة على أرضية الحداثة لكنها ما تفتأ منقلبة من مفاهيم ماركسية ناقدة للنظام الرأسمالي (ماركس ولوكاتش وغرامشي حول اغتراب وتشيؤ الإنسان الغربي) إلى مؤشرات بحث أثيرة بالحياة والوجود والمعنى خاصة لمّا يصطدم المرء بتطبيقاتها بالصدفة في واقع اجتماعي معقّد، تغيب فيه الذات وتتباين فيه المدنية، وتحضر البيروقراطية والطبقية كالمجتمع العربي.
مجتمعات
تضطرم فيها نار التقليد وتتصارع يوميا مع الحداثة وتود أن تحرق كل حداثي علماني،
وتعد وسيلة الكذب والتزييف والاحتيال وسيلتهم الوحيدة لتجاوز العدالة والقانون
الطبيعي، ولن أطيل بإيراد وقائع ميدانية تستعمل فيها منكرات خفية لتجاوز الحداثي
العلماني حتى في التعليم العالي قسم البحث العلمي (إذ ينسج لصاحبه فخًا ظاهره
تواضع نتائجه وباطنه رفضه لقانون الغيب) إلا بذكر تجربة حياتية وقعت لي مع مهنة
التحرير التي كلِفت بها منذ عقود، ولمّا دخل علينا عصر الذكاء الاصطناعي أصبح أي
تحرير نقدي مهما كان نوعه لا يجابه بالرّد عليه بتحرير مثله وبالحجة المقنعة، لكن
بالهروب كالعادة إلا أخلاق الكذب والتلفيق، وهي رمينا بتهمة التحرير بالذكاء
الصناعي. ولعلّ السؤال الذي ينبغي لهؤلاء
المفترون أن يطرحوه هو كيف يمكن تحرير “العقل المعتقل” في مجتمعهم إذا لم يتحرّر
فيه الكلام المعتقل أو المصادر أو المهمّش أو المحتقر، ليفهموا أن الجواب لن يكون بغير التفكير النقدي المزعزع لكيان
التفكير البدائي أو الخائف من العقاب.
ولعل تحليل ومناقشة مقولة باروخ سبينوزا (عاش
وتوفي في القرن 17م) الفلسفية "الله والطبيعة والكون" وكيف
اقتبسها الفلاسفة والمفكرون عبر التاريخ لتفسير علاقة الله بالكون ستفي بالغرض،
ولم يختلف الصوفيون المعتدلون على رأسهم ابن عربي (عاش وتوفي في القرن 13م) عن
الصوفيين المتطرفين وعلى رأسهم الحلاج إزاءها إلا في طريقة حلول الله في الطبيعة والوجود
في نظرية "وحدة الوجود Pantheism" فابن عربي رأى أنه من خلال التحلي
والتخلي في مراتب الاجتهاد الصوفي يتجلّى الله في الإنسان ويحلّ في الجسد (كطبيعة
فيزيائية) لكنّه أصبح نورانيا لشدة صفاء صاحبه الروحي في تلك المراتب، مراتب الولاية
والقطب والغوث، أمّا الحلّاج فقوله بحلول الذات الإلهية في المخلوقات أو الإتحاد بها
عن طريق اللغط البعيد عن فهم العامة، ولم تك نخبة عصره شاهدة على عصمة الرّجل بقدر شهادتها لتكراره لشطح البسطامي قبله، إلى أن بالغ وتعدّاه إصرارا مُفتقدا لحجة اللغة في قوله "أنا الله والله أنا" فصلبوه.
بينما سار الفلاسفة الماديون كنتشة وكارل ماركس
وفريدريك إنجلز وزكي نجيب محمود وأنشتاين ومصطفى محمود في شبابه على أثر خطى عبارة
سبينوزا الشهيرة "الله والكون والطبيعة" وتبنّي أفكارها عبر فهم المادة
والكون، من خلال قدرة التفكير العقلاني كتفكير، حتى تبيَّن آليا أنّ ما هما سوى
الذات الإلهية، الله والكون ليسا كيانين منفصلين (خالق ومخلوق)، بل هما حقيقة
واحدة وجوهر واحد، ولا فصل بين "المادة" (الكون) و"القانون الذي
يسيّرها" (الله في الكون والطبيعة في الله) وكأنما الدلالة سبينوزية المستقاة
تمتدُ من العلامة البنائية في بنية العبارة اللغوية إلى بنيتها السيميوطيقية
الكونية بتجاوز النص الجاهز القديم الذي لا يقدم الله إلا كونه الله (أنا الذي لا
إله إلا هو)
والمجتمعات
التي لم تنضبط تحت وقع صرامة القانون الطبيعي المتحرر من أيديولوجية أو سردية
قديمة مطلقة منتهية الصلاحية سيتحول كل مواطن فيها اليوم إلى ماركس ولينين جديد،
وكل ما زاد النمو والتطور في دولة مثل الجزائر اتسعت الهوة الطبقية وشعر الضعفاء
بها، وبالعنف الرمزي الذي تمارسه الإدارة خاصة في مؤسسات التعليم والاعلام
والمساجد، وفي ظل غياب العدالة الاجتماعية، فيصبح أيسر طريق لتجنب اللا مساواة
والمحاباة، وفي مجال العمل ليس هو معيار التمسجد أي التظاهر بأخلاق دينية، لأن ذلك
هو مزيد من صبٍ الزيت في وعاء الهابيتوس ومزيد من التمايز واللا عدالة، لأن
القوانين المادية تردع منطقيا بينما قانون الغيب (الخوف من الله) مجاله معنوي يظل
يخفي كثير من علاقات العمل المشبوهة وتدَخُل الريبة والشك طرفا في عمل المؤسسة
بالمظاهر فقط (ذلك العامل حِبُ الإدارة والناس لأنه حِب الله والآخر عدو الإدارة
والناس لأنه عدو الله)
1) إذن شيء
من التفكير العقلي والمنهج:
توصلنا في مقالنا السابق أنّ لا حماية
للعقل مِن غياهب الوهم إلا التفكير العقلي نفسه، كما لا حماية للعلم إلا المنهج
المستقل عن جاهزية الغايات القيمية، وللمنطق العلمي روح وضمير علمي لكن
الدين قد يضرب عليها، فالإنسان ليس من القوة التي تجعله يدرك ضعفه فيتخلى عن جبروت
احتقار واحتكار غيره، معتدا فقط بقوته البدنية الفردية والجماعية عندما تضعف قوته
العقلية وما بينهما، أي قوته العقلية النفسية، فهو مدفوعٌ ههنا بضعفه ومنتهزا لضعف
أقرانه الاجتماعي ليُظهِر فيهم أخلاقه وشخصيته (وسنرى النماذج أسفله وفي ميدان
الإنتاج الفكري) وهنا يطرح كيركجارد
تمييزا بين "الخوف" و"القلق"، الخوف استجابة لتهديد خارجي
وموضوع محدد يمكن الإشارة إليه، بينما ينبعث القلق y Anxietمن
الداخل إنه استجابة للعدم، وللإمكانيات المفتوحة على الكون والطبيعة، وهو سمة تميز
الإنسان عن الكائنات التي تعيش في تناغم غريزي مع الطبيعة. القلق هو "دوار
الحرية"، ينشأ عندما يدرك الفرد قدرته على الاختيار.
وهذه الرؤية لا تختلف عن رؤية أدونيس المصاغة
بشواهدها بطريقة أخرى، حيث يعتبر الإنسان الضعيف شخص من "العامة" أي من
أنصاف العلماء أو أنصاف المثقفين الذين إذا أخذوا قواعد النظرية العلمية أخذوها
معزولة عن واقعها التطبيقي فيحيدون تحت ضغط السلطة التي تراقبهم وتوجههم، ومنهم الإمام
الشافعي في عباراته المشهورة: “من قال برأيه في القرآن فهو مخطئ وإن أصاب” ويناقش هذا الجانب في شخصية الإمام
بشاهد قرآني وهو “إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي
من يشاء” (سورة القصص الآية 56) ليجهر بتهمة الضعف و"الضلالة" ضد الشافعي قائلا: ونعرف
جميعًا أن المسلمين اليوم لا يعون هذه الآية. فكل منهم دون استثناء،
ينصّب نفسه هاديًا، و”يقتل” من يظن أنه ضال، وما أكثر الجرائم التي تُرتكب باسم
هذه الهداية الضالة نفسها، أمسٍ والآن، والآن بالأخص.
ونزيد عن ذلك بأن الوضع القائم هو هيمنة ظاهرة
بأشكال متعددة؛ معرفية، اجتماعية، وسوسيو ــ ثقافية، ولا ريب في جميعها أن تنعتها
بإرادة الهيمنة المفروضة دون عقاب، حققتها سواعد أفرادها الضعفاء أنفسهم وطواعية
عبر التاريخ، حتى لا نقول عقولهم واجتهاداتهم، فضرب الرقاب عنوة في العصور السابقة
للإسلام أرحم من الضرب على العقل والترويض الحيواني للبشر لخدمة سلطة المعرفة،
وبذكاء أو بتخطيط كما يقول ميشيل فوكو، وتعني هذه الطواعية مراقبة المسلمين
لأنفسهم دون مراقبة السلطة عن طريق الطاعة والتنفيذ كتزويج بناتهم في سن الطفولة،
والذود عن أموال الخزينة من جيوبهم رغم أنف فقرهم، والاجتهاد في التقوى والإخلاص
للمظاهر والتبليغ عن المخالفين وهلم جر.
بعد أن قاربنا مفهوم العقل والفرق بينه وبين
العلم الذي ما هو إلا السياق المفروض على العقل، فلا يستطيع أن يصل إلى حقائق
علمية برغم صحة المنهج، وما هذا السياق إلا الثقافة الإنسانية، وما هذه الثقافة إلا
الدين، العرب نموذجا، وما هي إلا السياسة (كوبا وبعض دول أمريكا الجنوبية نموذجا)
بهما يحيد دور العقل من التنوير إلى الانعزالية والإيديولوجيا، فما التفكير؟ وما المقصود
بكلمة فكّر يفكّر تفكيرا وهو ليس خمّن، أي وظّف طاقاته العقلية والذهنية لفهم ما
يحيط به والتواصل معه، وإنما فكر بخطة تحت شروط معينة تجعل الفكر لا يقع في
الابهام والتناقض منذ الوهلة الأولى، هذه الشروط هي صيغة لبناء التنوير. ونوّر
بمعنى أضاء درب العقل بفكر تنويري ينسجم مع طبيعة الإنسان العقلية والنفسية، التي
لا ترتضي القيود مهما كانت طبيعتها، من ثمة كان الحق في الحرية والعدالة والتفكير
الحُر غير المقيد أقانيم ثلاثة لا يمكن الإنسان المعاصر الاستغناء عنها، كما أنّ
بالتفكير النقدي ينتفي منطق الثبات وكل أوهامه وأسقامه الاجتماعية التي ويحل منطق أرضي
نسبي يسمح بالنقاش والجدال فينكشف جدار فاصل (الوهم) بين سرديات كبرى وواقع حياتي
مفصول تماما عنها، أي الوصول إلى الوعي بأهمية الجديد المبدَع.
2) وشيء من
التفكير النقدي (من الواقع خاصة في التعليم):
خلُص نقد
أدونيس لمقولة الشافعي أعلاه إلى طريقة تفكير تقليدية ومجتمع منعزل عما يقوله
الآخر (في مقاله دفتر خواطر من مجلة البعد الخامس العدد الثامن) والآخر هو أساس
الهوية، وقد نجد أنفسنا توافق غير تام مع رؤية أدونيس للهوية حين يقول: هل
يعني ذلك أن المسلم الفرد لا ذاتية له؟ علمًا أن فقدان “الذاتية” يعني فقدان
“الهوية”، وماذا يبقى فيه وما يكون “معناه”؟
لكن هيهات، قيم الإنسان المعاصر وطريقة تفكيره
تغيرت ولم يعد يفكّر لمصلحة الجماعة إلا بتوافق تلك المصلحة مع المصلحة الذاتية. والذاتية
هي الهوية لكن يشعر بها مَن يملكها، ويصبح عندها
غير مضطرٍ للخوف من المختلف عنه، ولعل فقدان الذاتية في عهد الشافعي قوله (مخطئ
حتى لو أصبت) وقد طمست ومحيت دون خيارات، بينما المستعمر أعطى خيارات للأهالي إما
أن تكونوا حداثيين أو تقليديين، بينما فقهاء زمانهم ليس عندهم آخر، أو جه من أوجه
التعدد والاختلاف إلا في العقيدة، فالذات التي تفارق الجماعة غير موجودة، ولا تفكّر لمصلحة الجماعة والمقدس
الإيديولوجي ("أنا أفكر إذن أنا غير موجود" تساوي في هذا الفكر
"أنا أعتقد إذن أنا موجود") والوعي بالنقل يعلو عن العقل، ومنطق التفكير
السّديد خروج الهوية من مجال التاريخ بعدم تفاعلها معه، يجعلها إلها آخر بجانب الإله
المكرَّس بتعابير وطقوس يومية أي بنفس أليات الخطاب وليل نهار من دون فهم حقيقي
لدور العقل، حرية الذات، والاختلاف والذي له خطاب جديد، له هوية بناها من خلال هدم
الخطاب القديم، أما المجتمع الذي لا يخاف من تأنيب ضمير فأفراده الموهوبين في المجالات
شتى هم حتما لا يخافون من الحكام والسلاطين.
فبالاختلاف
تتقوّى هويتي وليس العيش على هامش التاريخ كما يقول بول ريكور "الذات عينها
كآخر" وعندما لا تعترف بالآخر إلا بكونه يوفّر لك السلعة وتتمنع عنه وتقصي
أفكاره، فهذا تشويه منطقي للأنا إذن للهوية، وهو مزدوج بالأنا ثم بالآخر، باعتزاله
لك تفتقد مرآتك وهويتك.
ولا
تخرج مقولة الفيلسوف العربي ابن سينا (ذو نزعة عقلية وروحية، توفي سنة 1037) "
بُلينا بقوم يظنون أن الله لم يهدي سواهم" عن سياق نقد أدونيس للفكر الذي
يحمله الشافعي، ثم ربط مسألة الهداية بقوة السلطة، وقوة السلطة بدورها تدل على
اعتوار في النص أو القابلية للقراءة المنهجية الجديدة، وما يشي على ذلك هو (هم)
و(نحن) التي غالبا ما تفسّر تفكير نقدي خطابي موجه للسلطة لا للنص المقدس، وعلق
أحد المدونين المعاصرين على المقولة بقوله: "نحن لم نشأ حتى أن نجعل من الدين
الإسلامي على رأس تلك الديانات المرتبة في قائمة الأديان التي أذاقت مر العلقم
لبني البشر على مرّ العصور باسم الهداية إلى الخير والجنة، حتى لا يقال بأنه كانت
تحدونا عبر ما نكتبه هنا وهناك استعداء إلحادي أو نيّة مبيتة مسبقة بشكيمة وهي
النيل من الدين الإسلامي"
ثم ما فائدة التفكير النقدي لدى طه عبد الرحمان على
سبيل المثال لولا أن ينقد هذا النص نقدا يستند الى مرجعية منهجية واضحة المعالم
وهي حداثية خالصة أو ما بعد حداثية خالصة أما وأن يتلكأ لاجئًا إلى المواربة
والتقليد فهذا ما لا يعقله عاقل. برغم أن كلا الباحثان نصر حامد أبو زيد وعبد
الرحمان من حقل معرفي واحد وهو الدراسات النقدية المعاصرة عموما واللغوية خصوصا، إلا
أن الأول طور نظريات وأبحاث أساتذته، غربيين وعرب لنقد لغة وخطاب المجاز في الفكر
الإسلامي (قرآن، متصوفة، معتزلة وأشاعرة) بينما عمد قرينه إلى الانعراج يمينا بعد
الالتفاف والاعتكاف يسارا لمُدراة الجاه والسلطان إلى أنْ استقرّ به المقام في
العلوم الفقهية لتشييدها بالمعمارية أي بآلية المنهج الحداثي، وهو متيقن مفتخر (صِنو
العديدين من أمثاله الذين هلّلوا له عبر وسائل التواصل) بتلك المُداراة وبتغييره لمصطلح
التنمية بالتزكية، والمنازعة بالمجادلة، والصراع بالتدافع من أجل الإخلاص للقيم
الأخلاقية والروحية للحداثة المقيدة بالتقليد.
ومنهج العلم ليس بالضرورة هو منهج التفكير
النقدي والمثال الأوضح هذا الكم الهائل من التحاليل والنقاشات الفكرية التي تعجّ
بها وسائل التواصل الاجتماعي، وزاد من وطيسها الذكاء الاصطناع، فهل أدرك أصحابها
منظمةً تدافع عن مصالحهم أم ان الدولة أدرى ببدعيها وعلمائها من أنفسهم؟ نخشى أن
السلطة ستتحايل في أمرهم وستتعامل مع مقترح توظيفهم حتى يكفوا نقودهم
"الهدامة"، ويستطيع دكتور ناقد عبر الفيسبوك واليوتيوب بمنطق ما يقول أن
يثير الناس ضد الحكومة. وفي توظفيهم قطعٌ لتفكيرهم النقدي المعرّي لخطابها وسلوكها
المفارق لقيم الديمقراطية والحداثة (لا تقبل التجزئة ولا تقبل تكذيب العقل والحواس
عكس الحضارة)
أما الكيفية فيكفي قليل من التنظيم والعقلنة
والشفافية لإقصاء أو كشف البيروقراطية، وفيهم المستحق بعلمِه وكفاءته وسمعته التي
اكتسبها لمنصب نائب وزير أو مدير ديوان، فلو تسلّم لهم وزارة منتدبة في الثقافة
لفترة وجيزة ثم تحيلهم إلى منصب النيابة وهم في جميع الأحوال في الخدمة كدرجة
ثانية في الوزارة ذات الاختصاص، وليس كدرجة أولى التي تبقى من نصيب موظف الحكومة
المشتهر بولائه للسلطة منذ نعومة أظافره ـ لأن الثقة معيار أساسي في العلاقات
الإنسانية وما بالك في العلاقات المؤسساتية ـ يُخضَع للتجريب هؤلاء الموظفين
الجدد ذوي الكفاءة العالية، ويظهر ذلك في تفكيرهم النقدي الإيجابي بجميع تخصصاتهم العلمية
والأدبية والثقافية وفي جميع أركان الدولة.
لأن
البيروقراطية التي تعاملت وتتعامل بها الإدارة مع المواطنين ومنذ عقود في بلد
كالجزائر ناتجة عن تعدد انتماءاتهم الحزبية والسياسية والثقافية، أو يمكن القول
بالعكس؛ فالحزب الواحد كان يضم فئة المجاهدين وأبناء الشهداء وفئة عامة الشعب وفئة
المثقفين بما فيهم أعوان الإدارات، وعندما يعرف كل شخص واجباته وصلاحياته الإدارية
تنتفي البيروقراطية، كما يقول ماركس فيبر يصبح التوظيف والترقية في قطاعات وأجهزة
الدولة كالتربية والتعليم والبلديات ومكاتب البريد مبنيا على الكفاءة والمؤهلات
بالدرجة الأولى، والباقي يأتي من خلال علاقات العمل وليس بالصعب تواجد
علماني/ديمقراطي وإسلامي ووطني في نفس الدائرة أو المكتب، والأهم هو المردودية
والعدالة والاستقرار المؤسساتي واحترام القانون ثم بعدها يأتي الحديث عن القيم
الإنسانية، وهذه العناصر ستُبعد العنف الرمزي أو تضعف من فعاليته داخل المجتمع
ودون تمييز ومحاباة؛ أي من دون صرامة في تطبيق القانون الوضعي غير الخاضع لمنطق
تفكير وتجريب مسبَق حتى لا تمس كرامة الإبداع والحرية والجانب الإنساني الذي أوصل
هؤلاء المهمّشين إلى المشاركة في السلطة.
فالإرادة والاختيار الشخصي يبقى مطلبا حداثيا
جوهريا في صياغة قانون تطبيق العدالة باعتدال وتوازن، بحيث تبقى الكفاءة أهم من
الأشخاص، فلا مكان للسيطرة في مفهوم الحداثة مِن الجانبين التفريط والإفراط. أما
نظام الحكم المفارق الذي يدعو في خطابه إلى الضدين معا التفكير النقدي والابداعي
الحر، والتركيز على نشر القيم بخاصة في التعليم (منظمات أولياء التلاميذ ولجان
تعديل الدوري للقوانين التربوية) والاعلام (جهاز لمراقبة النشر) والدين (بمراقبة
الناس لبعضهم بعضا) فهو نظام مُمارٍ ينّمي العنف الرمزي فيها بذكاء مزدوج إن صح
التعبير، ذكاء عدم ممارسة العنف في الإحكام على قبضة المجتمعـ وذكاء أطلقنا عليه
ذكاء المفارقة أو الغش بالتمويه أو التبجح أما الهيئات الدولية بأنّى دولة
ديمقراطية، لا تمييز بين حرية التفكير والنقد وبين المحافظة على القيم، بيد أن
مفارقة العنف الرمزي المزدوج هذه قد تلهب من حدة أو نزعة نقاد أو مفكري الهامش
(والتي ألمت شملهم الدولة) لطرح السؤال: أي قيمة في تعليم القيّم والتنشئة
عليها؟
نقصد ما القيمة العلمية التي من المفروض أن
ترادف مفردة تعليم؟ فهي من العلم، والعلم مجموعة من المعارف يسيطر عليها العقل لا
المشاعر والعواطف الخاصة، هذا التناقض الصارخ بين عقلانية العلم والقيم الأخلاقية والروحية سيدفع بإحداث المنهاج (وهو غير المنهج في الفكر الغربي) الذي يحدد لنا
الغايات التعليمية فيدخل القيم الروحية إلى جانب القيم المعرفية، وإنشاء شركاء
اجتماعيين يقفون على مراقبة التطبيق الحرفي للائحة المناهج في التربية والتعليم
بمراحله الثلاث.
كان من المفروض أو من الأجدر نهج أو سُلوك وزارة
التربية عندنا نهج التعليم الجامعي بإهمال أحكام القيمة في النقود اللغوية
والأدبية والنقدية (نقد النقد) ولعلّ المسخ كل المسخ والتناقض كل التناقض يكمن
ههنا عندما يشب النشء محبا لقيمه الدينية والوطنية مرتبطا بها أشد الارتباط من
خلال دروس اللغة العربية في جميع الأطوار وعندما ينتقل إلى التعليم الجامعي يصطدم
بسعي مفارق يدعوه إلى الإبتعاد عن القيم لأن أحدث المناهج في اللغة والنقد هي
شكلانية وبنيوية وتفكيكية تمقت الفكر والقيم.
ونعود للمقولات الحداثية التي جاءت متأخرة (القرن
19) مستندة على مقولة سبينوزا بانية عليها معولا للتفكير النقدي، من بينها المقولة
القائلة بأن العقل أعدل قسمة بين الناس، وحتى في نسبها لفرقة المعتزلة الإسلامية فلا
بأس، كون حداثة سبينوزا سمحت بأخذ الابتكار أو المعنى من الحضارات السابقة وتعميقه،
باستبدال لمصطلح الشر وقيّمه بالأيديولوجية وقيمها، وجاء نظام خطاب السلطة في فكر
فوكو ما بعد الحداثي بانيا على ما سبقه من حداثة أيضا مع نظرته لعدم ثبات القيم
الإنسانية، من عقلانية وحرية وعدالة كان له الأثر في غياب المعنى من الوجود، هذا
اللا معنى نجده في خطاب التفكيكي الآخر دريدا؛
في ثنائياته الشهيرة الممثلة لمدى صحة
منهجه، كالحضور
/ الغياب، الحقيقة
/ الوهم، العقل
/ الجسد، الروح
/ المادة، ...
المعنى / العلامة، المركز
/ الهامش، والمشكلة حسبه هي في أن الميتافيزيقا أو الأيديولوجيا رتبتها بحيث جعلت
الطرف الأول أصليًا وأسمى، والثاني تابعًا ومشتقًا منه. بينما المعنى
لا يكون حاضرًا حضورًا كاملًا جاهزا ونهائيًا، بل يتشكل عبر الاختلاف والإرجاء، لأن كل علامة تحيل
إلى علامات أخرى، وكل معنى يحتاج إلى سياق وتأويل.
والتفكيك لا يعني تدمير النص أو رفضه، وإنما الدخول إلى بنيته الداخلية
والكشف عن أن النظام الذي يبدو متماسكًا يعتمد في الحقيقة على ما يحاول استبعاده،
والميتافيزيقيا هي فكر جاهز يحاول أصحابه استبعاد على ما يقوم عليه وهو الطبيعة
والمادة. لكن الوصول الإبستمولوجي
المشذّب والمُهيكِل لقطار المعرفة إلى تيار مدرسة فرانكفورت (النظرية النقدية)
وبالتحديد إلى هابرماس سارع في إعادة المعنى إلى معناه إن صحّ التعبير، والعقل
المفكك/المتشظي إلى عقول، بتفكيك مركزيته وبنية العلامة اللغوية دوره الحداثي
باستلهام نظرية فعل التواصل، ولعلّ شيء من نقد مقولة المعتزلة هو فعل تواصلي: كل
مُعظِّم لربه على هذه الأرض هو في الحقيقة مُبايعة له، لأن العظمة المعنوية غير
العظمة المادية، ولا يكتمل معناها إلا بارتباط الممدوح كفكرة بمادة وإلا فهو غير
موجود فكيف تمدحه؟
والمعتزلة من الفرق المنكرة لتجسيد الله، وهو
تعظيم لا يقصي معنى التكلّف الجدلي الذي يبني حظوة المتكلف عند مَن كلف به؛ يريد
مع تعظيمه أو من خلال تعظيم لربه تعظيم نفسه بين الناس، وقد كنّوا آدم بصفي الله،
ونوح بشيخ الله، وإبراهيم بخليله، وموسى بكليمه، وعيسى بروح الله، ومحمدا بحبيبه
وصفيّه، ليت شعري هل يوجد في البشر من إنسان عظّم الله تعظيما لم يعظمه به أحدا
لكنه بقي شخصا متواضعا ونكرة غير معروف، يقارن نفسه بالمساكين والفقراء؟ أخشى أن
هذا النوع إن وُجد هو تحقيق لمقولة العقل أعدل قسمة بين الناس، والوصول الى هذه
الحقيقة يتطلب جِد مرغوب جدليا: أي تغيّر الفكرة والخطاب الذي لا يعيش الا أنقاض
الآخر، وفي التناقض مهما كان (ولكنّه مرتبط بالحياة) الدافع
الأساسي للإنسان ليس للبحث عن المتعة كما يرى فرويد، ولا مجرد البحث عن القوة كما
في بعض القراءات الفلسفية، وإنما البحث عن المعنى، أو منهج العلاج بالمعنى للباحث عن معنى الحياة، كما
يقول به فرانكلن في كتابه "الإنسان يبحث عن المعنى" 1946.
ويعتقد فرانكل أن لكل إنسان إمكانية العثور على معنى خاص لحياته، وأن هذا المعنى
لا يكون بالضرورة واحدًا بالنسبة إلى الجميع، فقد يجد شخص معناه في عمل ينجزه، أو
في حب يعيشه، أو في موقف يتخذه تجاه معاناة لا يستطيع تغييرها.
والمحطّة
التاريخية تبيّن أن العداء طال واستحكم لقرون بين فريقين يريان معنى الوجود من
منظور صدامي؛ حداثي وتقليدي، في المرحلة القروسطية بالتحديد وفي الحروب الصليبية[*] ثم
الاشتباك مع الإقطاع وصولا إلى السرديات الكبرى في بنية الحداثة نفسها منذ القرن
18 إلى الآن، وبداهةً وجود التفكير النقدي والذات الناقدة معناه لا وجود للتفكير
الميتافيزيقي حيث اكتمال المعنى ولا مجال للتأويل والشك في اليقين
الجاهز، بينما الحداثة تغير العالم برغم أن هناك من لا يراها إلا بعيون غيره، وورد في سورة النازعات ما تبنّى معانيها النبي محمد (ص)
في قومه المسلمين ضد كل من خالف اعتقاداتهم حتى من الملوك الجبابرة في ذلك الوقت:
﴿ اِذهب إلى فرعون إنّه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى
﴾ لأن هذا اليقين رسخ قبلا مع قصة العجل، ووقعت للنبي موسى مع قوم بني إسرائيل، وفيه
من معارضة العقل ما فيه، ولكن لا شك ولا تفكير ناقد لمن طغى بالهداية، تحت وقع
سلطة معنوية تعودوا عليها يطبقون بإرادتهم دون تفكير. مع أنه واضح لديهم أنه من
رفض تدخل الإيديولوجيا في علاقته مع ربّه لم يطغى ولم يتجبر، حتى المتصوفة
الحلوليون عندما قالوا "نحن الله والله هو نحن" لأنهم عبّروا عن حالة إيمانية
باللغة فلم يفهمهم الناس، وكان الأجدر بهم التعبير عنها بالاجتهاد الروحي الذي هم
فيه.
والسؤال المطروح هو هل يمنع الفيض الوجداني
والسبوحي الغامر الصوفي من التواصل والإقناع بمنطق اللغة أي بالتفكير؟ يمكن لهذا
السؤال أن يفتح باب بحث لعلاقة المسلم السني بالمسلم الصوفي، وهما كليهما بمعزل عن
خطاب العقل والتفكير المنطقي الذي له علاقة بالطبيعة والكون، وليس بما وراءها، فأي
تواصل يمكن قد يحل محلّه غير الهيمنة والإقصاء بل والاحتقار ثم البطش، مع العلم أن
الفكر الصوفي بجميع أنواعه الأقرب إلى التفكير العقلي الغربي ربّما لأنه مسالم.
وأبانت
وسيلة الفيسبوك (المحطة التاريخية الأقرب) وفي رصيف لُندني عن منعٍ للمارة بحجة
إقامة الصلاة فثارت فحلة بريطانية ناقمة، أنّ هذا العمل فيه إفساد لأطفالنا فردّ
عليها الشيخ كمن تمرس على سيادة القانون في هذه البلاد "وهل هناك من قانون
يمنعنا من الصلاة على الرصيف؟" "لا يوجد، لكن سنجيز قانونا يمنع
ذلك" وهذا الرد منها منطقي بمكان، بكل بساطة لأن ما فعله المسلمون فيه معارضة
للعقل، وهذا كاف كي يفحمهم لأن القانون يجيزه العقل، خمس صلوات لا في الجامع، لكن
في الشارع، كأنهم بصدد الموت بعد قليل وبهندام غير مشذب (لحية الطقس مكانها دور الطقس)
فضلا عن إثارتهم لأناس الشوارع الذين لهم خلل في وعيهم الاجتماعي والأطفال لأنهم
غير ناضجون. وهذا كاف كي يفهموا أن فعلكم قبل أن يشكّل خطرا على مجتمع اللندني هو
يشكل خطرا على الإنسانية.
بالفعل، وقد أخبرني أحد هؤلاء الحاملين لتفكير
ناقم لكنه واع ومنطقي تجاه سياسات الدولة بأنه قد فتح موقع تواصل اجتماعي لبناء
مستقبله، مِن خلال الاعتماد على ما تطرحه عليه أفكاره، لكن كان تخصّصه التاريخ
والجغرافيا، فقلت له إذن لن تتعب كثيرا، تسرد الوقائع التاريخية بأسلوبك، وتزور
مناطق جغرافية وتكتشفها ثم تصفها وصفا منطقيا غير أنه ردّ بنبرة الغاضب: لا بأسلوبي
الأدبي المميز. فقلت لا ستضل كما ضلّ صاحب أدونيس، وإليك الدليل؛ تكتسي موضوعات
العلوم الإنسانية طابعا إشكاليا حيويا وجوديا وتأتي الكتابة والشعر والقصة والنقد
في مقدمتها، لتعالج ما يمكن معالجته فهما لعلاقات النقص والصراع والجور ومصادرة
حقوق هنا وهناك، لذا تميزت عن كافة العلوم الإنسانية بتوظيف الشّعور الذاتي الذي يقلبه
صاحبه رمزا فنيا ليشعر به الآخرون، وهو بذاتها "الأدبية" مُعبّرة في
اللفظ واللغة أو حاسة سابعة ومعنى (الهدف لذلك اللفظ بالغريزة) تنمو وتتطور عبر
العادات المكتسبة وربما تعود للبحث فيها. أما الاجتماعيات فإذا خُضت فيها بأسلوب
أدبي ضاع منك الأهم، وهو الواقعة التاريخية وما أضفته إليها وحلّت محلّها جمال
العبارة ورونقها لذا ستفشل يا صديقي.
3) وشيء آخر
من التفكير النقدي الثقافي:
لا توجد أي ثقافة وُصِفت بالتخلف إلا من جارت على نفسها
بمقاومة صفة من صفات الثقافة، وهي التغير والتعدد والاختلاف والنسبية، زد على ذلك
استغلال العلم ليتبنى خطابها، فوجب النظر عندئذ فيما يسمى جزافا بالحداثة العربية
بخاصة في علوم اللغة والنقد الأدبي، لأن الحداثة ظاهرة كونية لا تقبل التجزيء
والارتباك والتّشويه والانتقاء على المقاس أو المصادرة على المطلوب كما يقول
المغربيين.
وسيمتد بحثنا في النص عن النسق الثقافي إلى
البحث في السياق الثقافي للباحث، سياق اكتملت فيه الحقيقة أم مازالت مفتشة عن
معانيها؟ لأن منتهى النسق هو الفهم الفكري للموضوع تحليلا وتركيبا، ولكن لا تفتأ
أي ثقافة بترك آثارها على الفرد، ولأنه عنصر سيميوطيقي من فضاء الكون سيكون محملا
بدلالة علاقاته مع الأشياء المجرّدة والمادية، كالميتافيزيقا والأخلاق المعنوية من
جهة، والجسد والأخلاق الحسية من جهة أخر، ولعل هذه الثنائية سبق وأن فكّكها دريدا
ووصل إلى استحالة القبض على المعنى إلا من خلال معنى المعنى الذي تضفيه محاولة
المدلول للعودة في ثوب دال جديد وهكذا يرتسم معنى مختلف عن سابقه، أما وأن يجثم
المعنى في وعلى العقول، بل وعنوة تحت سلطة العصا والجزارة، فتلك لعمري هي الفحولة
الفكرية في السياق النقد الثقافي العربي المعاصر.
حريّ بهذا النشاط إذن أن ينقد فحولة الغذامي
الفكرية، كتفكير نقدي مستند على النظرية الحداثية (نظرية الأنساق الثقافية)
ويمددها إلى الكون السيميوطيقي. والحط من قيمة القامات الفكرية المعاصرة النقدية
والسياسية المؤسساتية التي توافق نهج الغذامي البراغماتي مع ثقافة السلطة
والأيديولوجيا استدعته فجائية الصرامة العلمية المنهجية، وليس للخطة الممنهجة للانتقام
الشخصي والاختلاف الثقافي تحت ذريعة علمية.
عندما زيّفّت حركة النقد الأدبي المعاصر في المغرب
العربي المناهج الحداثية الشكلية والبنيوية وما بعد الحداثية المتمثلة في النقد
الثقافي وجدتُ غير ما مرة في هذا الأخير الطريق الأيسر للدفاع عن موقفي هذا عن
طريق كشف النسق المضمر في خطاب "الشاعر الفحل" للسعودي عبد الله الغذامي
كونه يعتبر نفسه ناقد حداثي وما بعد حداثي معا، ومتّفق إلى حد بعيد مع أفكار دريدا
وفوكو، فلن ينفع مع هذا التمويه غير الكشف عن نسق الفحولة الفكرية المضمر في
خطابه؛ بداية من مداراة للسلطة وسلطة معرفتها ونقد لتفكيك المقدس من خلال زخم كبير
من التراث الفقهي اتّكل عليه في إضفاء طابع الدراسات الثقافية[†] على بحثه، فضلا
عن تحوير مفهوم النقد الثقافي عن قواعده الغربية بمئة وثمانين درجة (انظر: النقد
الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية)
وكان عليه برأيي عدم المضي أصلا في نقده للفحولة
الشعرية، هذا النسق المضمر الذي أصبح علامة مميزة في مشروع النقد الثقافي العربي
المعاصر، لو لعب دور القارئ الحيادي، عن تذوق أو عدم تذوق للشعر العربي، لكن إضمار
عكس ما تبناه من مواقف اتجاه مناهج النقد ما بعد الحداثي جعله يصطدم بالشعر قبل
أصحابه (اضمار الوعي الأيديولوجي يُسقِط جدليا في اللاوعي بالجمالي) الشّعر غير
مُلزم للمتلقي بأن يأخذ جميع معانيه، بل يتذوقه ويستسيغه ويرد ما دون ذلك.
خُذ حداثة أدونيس التي لم يشاكِكها أي اعتوار عكس حداثة نصر حامد أبو زيد،
بالرغم أنه أكثر علمانية من أدونيس، لأن موضوع علومه في تحليل خطاب القرآن كان
علمانيا بامتياز؛ كون البحث عن المعنى هو بحث عن الحقيقة، أي كيفية جعل الدين خاص ومتحرر
من الأيديولوجيا، وهو لم يقر بذلك صراحة برغم نبوغه في التأويل القرآني، فالتبست
حداثته بالتباس خطابه العلماني، وكان عليه برأينا مجاوزته التخصص في تحليل الخطاب الديني إلى نوع من التفكير النقدي
المفكّك لا المؤول للمتشابه، فالمدار كله موقع العقل والحرية بين التقليد والحداثة،
وبين نظام العنف الرمزي ونظام خطاب السلطة المتحكمة في أعناق الناس لأنهم رضو
بخطابها خوفا من عقابها في حال تموقعهم ضمن الحداثة.
كما أنّ إقصاء الجوانب الذاتية من ظاهرة إنسانية (كظاهرة اللغة، التي لا تخرج إن
خرجت إلينا إلا مختلطة بجوانبٍ نفسية وشعورية) هو إقصاء أيديولوجي متوسلا بذريعة
العلمية، حيث "يكف المعنى أن يكون تمثلا
وحضورا، معه لا تعود الحقيقة ثمرة علم صارم يتّصف بالوضوح والتواطؤ، بل تصبح سلسلة
توظف شبكة من الاستعارات وتستخدم لعبة قوى واستراتيجيات"[‡]
والتأويل نظرية تفسير العلامات كعناصر رمزية
للثقافة، وفي التفسير الكتابي هو مجموعة من القواعد التي تجعل من الممكن تحديد
المعنى الحرفي للغة ومعناها البلاغي الوجودي المتعدد.
وذاتية الغذامي في البحث العلمي إنّما مصدرها
خطاب ثقافي أيديولوجي سائد وليس في طبع قريحة الناقد اللغوية والشعرية، بيد أن
ذوقه الخاص والعام خاضع لطريق طبع الخشونة والوعورة اتجاه كل ما يسهل به الخروج عن
أيديولوجيا الالتزام الديني والسياسي، مِن ذلك استحسانه للشعر الذي يحمل
إيديولوجية الشاعر بدل الذي يحمل جمال روحه الشعري مُرتبا جودة قريحة المتنبي الشعرية
خلف معارضيه:
ü ما كل ما يتمنّى المرء يدركُه تجري الرياح بما لا تشتهي السّفن
م1: تجري الرّياح كما تجري سفينتنا نحنُ الرياح، ونحن
البحر والسفن x
م2: تجري الرياح بما شاء الإله لها لله نحن، وموج البحر،
والسفن x
فشتّان بين قيمة بيت المتنبي الفنية وبين معارضيه، وهذا ما أشار إليه القاضي الجرجاني قديما في قوله: "وقد كان القوم يختلفون في ذلك، وتتباين فيه أحوالهم، فيرق شعر أحدهم، ويصلب شعر الآخر، ويسهل لفظ أحدهم، ويتوعر منطق غيره، وإنما ذلك بحسب اختلاف الطبائع، وتركيب الخلق، فإن سلامة اللفظ تتبع سلامة الطبع، ودماثة الكلام بقدر دماثة الخلقة، وأنت تجد ذلك في أهل عصرك وأبناء زمانك، وترى الجافي الجلف منهم كزَّ الألفاظ وعرَ الخطاب"
[*] . شكّلت الحروب الصليبية علامة فارقة في صراع المجتمعات الأكثر حداثة في شريعتها السماوية، إلا وهما بلاد الغال المسيحية ووراءها المجتمعات المسيحية بكل إرثها الأنثروبولوجي، الذي مازال يزخم إلى ذلك الحين بوهج الحركة الدينية التي خلّفها المسيح وحواريه الاثنا عشر، إذن هي حملات بإيعاز من بابا الكنيسة الكاثوليكية الإنجليكية الذي كان حينها الحامل المبارك للسلطة السياسية، بينما استقى الإسلام قوته كثيرا من ذوبان بقايا المجتمعات والديانات الوثنية القديمة، فإلى أي كفة ستميل الكفة بين الطرفين في هذه الحروب، وهل من تجاوز للأطر والقوانين والأعراف الإنسانية تنكيلا واستباحة الإنسان لأخيه الإنسان، بأنكر الحيل، بحجة أن "الله" يأمره بذلك، والذي من شأنه أن ينسينا في بشاعة مما تعرض له اليهود قبلا؟
[†] . لعل مصطلح الأنثروبولوجيا
الثقافية Cultural
Anthropology
والذي يعني مجموع التخصصات التي تدرس النواحي الاجتماعية والثقافية لحياة الإنسان
هو أحد فروع الدراسات الثقافية. يدخل في ذلك الدراسات التي تتعلق بحياة الإنسان
القديم (أو حضارات ما قبل التاريخ)، والتي يشار إليها بعلم الأركيولوجيا Archeology تتناول الأنثروبولوجيا الثقافية
كذلك دراسة لغات الشعوب البدائية، واللهجات المحلية، والتأثيرات المتبادلة بين
اللغة والثقافة بصفة عامة، وذلك في إطار ما يعرف بعلم اللغويات Linguistics علاوة على ذلك يوجد مجالان
دراسيان آخران ذوا أهمية كبيرة وهما الإثنولوجيا والإثنوغرافيا (ينظر: حسين فهيم،
قصة الأنثروبولوجيا، عالم المعرفة، العدد 98، يناير 1978)
[‡] . علي حرب، نقد الحقيقة، المركز
الثقافي العربي، بيروت، 1993، ص104.

