ماذا بين الجاحظ وجبران؟

 

                                                                             ـــ الجاحظ بريشة جبران ــ

 بوزيان بغلول

ماذا بين الجاحظ وجبران؟

 

      خواطر اعتلَت سفح الذاكرة فجأةً فصالت وجالت بين قِمم الفكر والأدب، وحلّقت قرب سُحب البِرَك المعكّرة فعلِق بها ما علِق من رماد الجدالات التي عادة ما تحيي الأرض والزرع بعد ممات.. فعندما سُئل الجاحظ يومئذ أيّهما تناصر اللغة أم الفكر؟ كانت إجابته إجابة حِرفي يمتلك شيء اسمه اللغة، ولم تختلف حرفة صناعة الكتب بالنصوص وباللغة عنده عن حرفة صناعة البنّاء للمباني، بل لم يكن من فرق بينه وبين البنّاء الذي لو سألوه عن سر نجاحه في حرفته لقال هو الآخر الآجر والإسمنت، أمّا جبران فسيسوق لهم الإجابة في مؤلف ثم لا يخرج بنتيجة.

     فوظيفة المفكر ليست كوظيفة اللغوي، فإذا كان هذا يُنسّق العبارات والأقوال كي تبدو جميلة للعامة فذاك يبعثرها ويجعلها تحمل معانٍ لا تفهمها غير النّخبة، فهذا يتملق المجتمع ويسلّيه بجمال ما تحمل بلاغاته ومجازاته من جميل المعاني، وذاك يربكه ويجعله يبحث عن نفي صحة أقواله ومعانيه بجميع السّبل، بل ويجعلها تعلم إذا كانت جاهلة.. يجعلها تفرق بين الأسطورة والعلم الذي يفسّر العالم بالتحليل العقلي، بينما تقدم الأسطورة تفسيرات تعتمد على الخيال الجماعي والتسليم المقدس، وستحث العلم والفلسفة أبدا على النقد والتشكيك في الوجود والحقيقة.

      والفكر الأسطوري وهو فكر بدائي مازال وليد اللحظة، ترى اليوم أكثر من نصف العالم متعلق وجودهم بالتفكير به وفيه، لأنه بنية تمثيلية لعالمهم في عالم المُثل وأكثر من ذلك خطابه حفر في غريزة الإنسان اللغوية، فكأنما خُلق الفكر كي يتناول الأسطورة وعلى رأي فوكو لو أنك تحفر في تلك البنية عبر الخطاب لن تجد في الخطاب غير ذاك الخطاب. زد على ذلك الأسطورة مَسِيرة ومازالت تدفع بتطور الفكر البشري إلى الفلسفة ومعرفة العالم والذات والتقدم، فتعود إليها الفلسفة لتقييم التراث والمسيرة. فمن يهز عرش الفلسفة ومازال هي الأسطورة، لأنه كلما اقتربت الفلسفة من المعرفة الحقيقية والتفكير المنهجي جاءت وعبثت بخطابها حفرا في الذاكرة مرددة أنهّ أنا الخطاب الأسطوري فتتلاشى حفريات المنهج في الذاكرة وتبقى حفريات الأسطورة خالدة. فماذا بين هذين؟

1) بينهما فيض من تجربة الذات:

     وجدتُ طفلا يشير إلى وهو يقول عن صديقه، انظُر إليه إنّه قد قال أنّ الكفّار خير من المؤمنين. تفاجأت لمباغتة السؤال ولم أصمت في خاطري إلا كي أُعطي الانطباع بأن صاحب القول مخطئ ويستحق على الأقل درسا مزجرا في الموضوع، لكني تخيلت للتو الفكرة التي نشدها جبران خليل حبران وهي فكرة تنبض بفيض التجربة، ولا يهم أبدا كم من مرة وردت نصا قبله وبعده، لأنها لم تبلغ قيمتها الأدبية لدى جبران: قصة يهودي ومسيحي بكيا كثيرا ولما سألوهما قالا: يؤلمنا حال المسلمين، لو لم ينصفهم ربّهم بعد كل هذه العبادات. وسرعان ما تلاشت الفكرة من ذهني مفسحة لفكرة ذات علاقة وهي علاقة المنفلوطي الكبيرة في أدبه بالأطفال والأوانس خاصة المساكين منهم، عندها قلت في نفسي تجربة المنفلوطي وجبران تثبت أن الأدب ليس أقوال مهذبة تتلى ولا أعراف محفوظة تُتّبع لكن ناموس وجودي كلي يطل كل أديب من خلاله على جوهر روحه وينفذ من خلالها الى عالم من المثل لا سبيل إليه إلا فيض التجربة.

     ثم عند العودة من نفس السّبيل طرقتُ وطرقاَ وانتبهت وانتبها، فإذا بحيرة السؤال مازالت جافلة فقلت لهما: لا يجوز لك أن تطرح هذا السؤال إلا بعد فيض غامر من زاد العلم يجتاح عقلك وفؤادك، أي أن تتجاوز سنك، فتعرف الكثير الكثير عن الإيمان والعلم وفي الطريق إلى هذين ستطرح أسئلة كثيرة على معلّميك وعلى أنواع عدة من المراجع، بيد أنها مصاغة بشكل مختلف كأن تقول: ما الفرق بيننا وبينهم لماذا تقدموا وتأخرنا؟ فتتعرف على فكر فلان وعلان وتُثبت التجربة؛ أما الفيض فمن معاشرة اللغة معاشرة طويلة ولعلّك ستعود لتسأل اللغويين والفلاسفة عن اللغة ولن تجد بأفضل من اتّخذهما معا قبل أن يتحررا من عقر التقليد، ذلك يُثبِّت الإلهام عمامة خضراء فوق جلباب اللغة ونعل الفلسفة، إلهام الفكرة التي لا تتجاوز لسان صاحبها إلا كي تشي بأنه صاحب قصة النبي وصاحب قصة عرائس المروج. أعرف أن كل ما قلت يستعصي عليك فهمه لكن حريّ بكما أن تعلما أن جوهر الأسطورة سيجعل من نبذ الجاحظ عمر بن بحر (البصرة 868م) لها وزجرها باللغة وصناعة اللفظ، وجعل جبران خليل جبران (بشري 1883 ــ 1931)  لها محركا ثقافيا رمزيا لفكره هو جوهر أسطوري لما بينهما من اختلاف.   

     ويستطيع المنفلوطي أن يرفع من نسق وتيرة جدل قصصه المترجمة البائسة بقصص الحب الطبقي بين الارستقراط والغجر بأن يُقدم على نقل رواية من تأليف خياله، ولكنه ينسبها بدهائه إلى قاصة فرنسية مزدرية للديانات بطلتها هي الكاتبة ذاتها، لكنها مومسا وتقرر فجأة أن تكتب رواية عنوانها "من الأجمل كي أتزوجه" وتقصد عيسى ومحمدا طبعا، وذلك كله من أجل أن يصنع من نفسه كاتبا عالميا لكن المنفلوطي لم يفعل وثبت علميا أن كل عربي إنما تجبّر لأنه يقمع باستمرار الذات المبدعة فيه ضد المصلحة فيتملق النظام ويرضخ للفكر الجاهز، ولا يمنع تميم بن حمد وبن سلمان من أن يتحدا من ساعتهما لو أنهما اتّفقا على الحكم بالتناوب مرة المُلك لآل تميم ومرة المُلك لآل بن سلمان، أما غير ذلك فضرب من المستحيلات السبع.

2) بينهما حقيقة الخطاب (لا خطاب الحقيقة) والوعي الزائف:

      فلو كان جبران من أجاب على الطفل لقال أنّ هذا الرسول الذي يؤكد يوميا لأنصاره وأصحابه وأهله أنه رسول، مٍن المفروض له أنه لا يتزوج النساء ولا يمشي في الأسواق، أولا لأن النساء حتى ولم يلدن له يُنقصن من قيمته كرسول، وما بالك بأن يُنجبن له ذرية غير صالحة (بالمفهوم الإسلامي) ولا تحمل معجزات أبيهم النّبي وثانيا إن هو مشى في الأسواق فتعلّق بثوبه الناس فمنهم من سيوسخه بقصد أو غير قصد، أما لو أجاب عن سؤال الطفل الجاحظ لسرَدَ وعدّد المناقب وسرح في بستان الجوهر والأخلاق ما شاء له أن يسرح بدون أن يعرج على قطمير منطق عقلي قد اشتهر به مقابل أطنان المسرودات النقلية المادحة المعظمة كلها. ثم أنّك لتفهم حينئذ أنّ بعض الجمل كجملة عنوان مقالنا "ماذا بين جبران والجاحظ؟" تحمل دلالات خطاب ليس للسياق الاستفهامي والنحوي أو دلالة الظرف (بين) دخل، فهي لا تفسر حادث قد جرى كخصومة الشّتم أو الضّرب بالأيدي لا قدر الله، لأن السياق التاريخي (كسياق السوق الذي ذكرناه مثلا) يبطل ذلك حيث عاش جبران معاصرا تقريبا بينما عاش الجاحظ في القرن التاسع الميلادي، وجاء الخطاب كي يعرض الخصومة الفكرية بينهما التي أدّت إلى فعل "الحدث" ومصدرها تماما كمن يصالح بين اثنين فيصرف الواحد بعيدا ويقول له: ماذا بينك وبينه؟ ومع ذلك قد يقول قائل أنّ كل ما بينهما هو أن الثاني كان رساما فرسم الأول (صورة المقال)

     ولعلّ للأيديولوجيا (نظام من الأفكار والمفاهيم الاجتماعية) إضمارات على مستوى الثقافة لا يفهم قيمها النسقية الليبرالي كما يفهمها الماركسي، بيد أنه في عصرنا حملت دلالات سلبية أكثر من مصطلح الثقافة، والجاحظ أو الإمام أبو عثمان مسلم ومتشيع للنظام بمعنى أنه عقلاني مجادلٌ ماركسي (في مفاهيمنا المعاصرة) لصالحه بالرغم نتيجة عقلانيته أنه على غير صواب، فهل سيتحول إلى إنساني عالمي أم إنّه التفاعل مع الهيمنة الثقافية التي تعتبر الشكل الحديث القديم للإيديولوجيا وتجعل منه معتزليا؟ فالمصطلح مقابل لمصطلح التجريبية لدى الأنجلوسكسون وعقلية التنوير ليست كعقلانية التنوير ما عكس أداة للهيمنة بغض النظر عن توظيفات مرحلتي العقلانية اللاتينية والتجريبية الأنجلوسكسونية كالبنيوية وما بعد البنيوية في عصرنا.

      فشتّان بين مدرسة هذا ومدرسة ذاك الفلسفية، فما تفرضه اللغة على الفكر من فكر قد تذهب بعقلانيته ريح المنهج، وكأوضح مثال الخطاب السياسي لأنصار المادية الجدلية (وعي طبقي أو وعي معتزلي: البنية الفوقية واحدة: وعي زائف وإعادة إنتاج الذوات) والأيديولوجيا كخطاب يربط بين المعرفة والسلطة ويجعل من بعض الفنون كصناعة الفكر والتأليف وسائط إيديولوجية لدراسة ثقافة الاستهلاك من منظور نقدي لكن لا إبداع بدون حرية وأن تخدم النظام والطبقة فستخدمهما بوعيك الزائف والتقدم حقيقة رأس المال فيه تنام على الإبداع الفردي.

     ذلك أن المسلمين لا يمدحون إذا مدحوا إلا أخلاق المجتمع الإسلامي التي يتصورون أنها تخص دستورهم القرآن الكريم وحده، ولا يمكن أن تنفصل عنه وتشير إلى غيرهم، وهذا غير صحيح، لأن الأخلاق تتعلق بطبيعة الوجود البشري، وسواء كانت ذهنية أو سلوكية تتكون من خلال تجاربهم وتصبح عادات أو ثقافة كانعكاس لترابط عمل عناصر العقل والضمير وتجربة الواقع الاجتماعي، وتتحدد المعاني بالعلاقات بين العناصر وليس بمرجعيتها الخارجية، أي لابد لأي نسق مِن أنساق العادة أو الاخلاق أو الأيديولوجيا أن لا تسبِق وجودها المادي، أي لا تسبق الفكرة تبلور عناصر البنية، وإلا فما جدوى الوصول إلى هذه القيم والمعاني، ما جدوى وجود هذه الأخلاق الإلهية السامية وهذه الأفكار الأيديولوجية التي تجعل عنصر (س) يتملّق عنصر (ع) أو (ص) فقط، لأنهم لا يقطعون تواصلا بالفكرة الجاهزة المسبقة وحول الفكرة الجاهزة المسبقة، وبالتالي تصنع الأيديولوجيا انحطاطا وتخلفا، ودون تجارب ذاتية في سلوك الواقع الاجتماعي لا تتبلور معاني جديدة ويبقى النمط الثابت المهيمن جامدا، والنمط الثقافي الجديد الذي يُسعى إليه بالعمل وخطاب العمل يظل هامشيا، ونخشى أن الغرب في حريته وعدالته وديمقراطيته قد حققه.

     فما الفرق بينهما إذن؟ الفرق بينهما هو الفرق بين القايد الخادم الطيّع للاستعمار وابن النظام البار في أيام خطابنا الثقافي متمثلا في الميهوبي أو بن براهم، والأكيد أنه لا فرق بين هذا وذاك إلا فيما سيقابله في الثقافة المقابلة، فالقايد سيذبحه "المجاهدون" لا محالة والميهوبي سيتركه عصره المتشابك المصالح والمظلل لحقيقة كثير من الأنفس المجاهدة في سبيل الإنسانية والحرية والإبداع، ولكن المخفي موجود ووجوده وعي حقيقي بالضمير الحضاري يرنو للأمام، فلا ينتكف روحيا كلما ساءته أحواله المادية فيؤلف خطابا أسمى من البيان والتبيين وأظرف من "الحيوان"، فقد يكون الكثير من مثقفينا اليوم لا أسطوريين وهم يتوهمون بذلك أنهم عقلانيين بموقفهم هذا، وهم بهذا التصور جاحظيون لا جبرانيون تعوزهم أفق الرحابة الفكرية (التي هي صنو الإبداع) لدى الآخر، فالفكر الأسطوري قمة الوعي بالعقلانية التنويرية لا بعقلية التنوير، فلولا هذا الفكر ما كان الإبداع العقلي في العلم والسياسة والتأليف الروائي والفن التشكيلي بل لما طمح الموجود الى اثبات وجوده ولما اعتكف خطاب شعري مفكرا كما اعتكف المعري أو جبران نفسه قلما وريشةً ليسّددوا ضربة قوية لأوهام أيديولوجيا خطاب الحقيقة، بدل الاكتفاء بالجاهز المتملق للنظام تملق الميهوبي والجاحظ.

     ويمكن أن نجد أنّ أمة تتعبد منذ عشرات القرون وغير متزنة في أخلاقها كأخلاق دويلة علمانية صغيرة، والأخلاق التي نعني ليست هي ممارسة هوى النفس المتمثل في الحرية الجنسية لدى الفرد التي يركز عليها المسلم وتعتبر لب القضايا الأخلاقية وجوهرها، بل الأخلاق بعامة وهي عدم الصّدق وعدم السرقة وقول الزور مع الناس جميعهم مهما كانوا، وصولا إلى الجاه والنفوذ المصلحي الشخصي والجماعي إلى إشاعة الطبقية، لأن هناك من تأبى نفسه الذل والهوان؛ بحيث يصبح مكتب البريد ومقر البلدية والمدرسة مَدَارِسًا في تملق النظام لأنه ينعم عليها براتب الوظيفة، بينما الوظيفة هي حق توفره لهم الدولة والنظام ليس هو الدولة.  

     أما إذا عدنا لممارسة الجنس فالأمر يتعلق بشعور نفسي لدى العربي بخاصة والمسلم عموما، يرى في فحولة المرء الزوجية ضرورة لا بد منها، ولا يقبل مجتمعهم الغير فحل، فهو عندهم واقع في التخنث والديوثة أو بمصطلح العصر المثلية الجنسية، أما الفحولة المتعدية للحياة الزوجية فلا يقبلون بها لأن نسائهم قد يقعون ضحايا هذا المسلم  أو العربي الفحل الذي يجوس ديارهم، وفي كلا الحالتين ضبط أخلاق ممارسة الجنس بالضابط الديني يناقض الواقع، وقد يكون كثير من المتحررين جنسيا في العالم الغربي حريصون على ممارسة غريزة مادية لديهم ووضعهم الاجتماعي والأخلاقي أفضل صدقا وعدلا وإنسانيةً من وضع المسلمين بأحوالهم، ونقصد بأحوالهم خصوصية التجربة الصوفية فيما يسمّيه ابن عربي "لغة الكشف" وهي لغة تستمد مشروعيتها من عمق التجربة الروحية الصوفية التي تختلف من فرد لآخر لكنها تبقى تجربة آلية شكلية تحاصرها لغة عدم الكشف لدى الجاحظ في ثلاث كتب عن الجنس (كتاب الزنا وكتاب النساء وكتاب الجواري) فيضمحل أثرها المجتمعي، فلا المعري ولا أبو العتاهية ولا ابن الفارض بمنسجم.

3) ثم ماذا بينهما؟ .. بينهما الشاهد الأدبي

     فالمهم أنّني "سأبيع نصف ممتلكاتي لأشتري مجدا في السماء" أو اشتري فُلكا وأمضي به إلى سمك بحر الفلوات قرب السواحل الموريتانية، وأَدَعْهُ له ينفض عبابه وأمضي.. والآن مَدُّ السماء مثل يد البحر واسعة، واهبة، معطاء، لم يجري ما بين وبين السّمك كرّ وفرّ كما كان متوقعا لأنه عَرَف أين انسللت وعبرت. عبرت كل الحدود حتّى وصلت مثلث برمودا وهناك أتاني الأجل، وكنت مثقلا بهمومي إلى درجة أنها اَحْكَمت إلى اغراقي وإلى القرار العميق، ومع كل صبر لي في أغوار قراره العميق البحرُ، زدت ثقلا عن ثقل هبةً من عند الرحمن حتى أصل سالما إلى حافة المستقبل وافترش الرمل الناعم، وإذ بي أفيق على ربيع ملء الدنيا والجاموس سارحة مرحة فيه إلى النهاية، وهي لي متى شئت، وكذا الضحى والروابي مفروشة بأزاهر الربيع، وقرب البيت الحجري أكواخ وزرائب خشب للنعيم.." هذا الشاهد ليس لي لكن مسجّى من وحي نقوش الذاكرة مما قرأت من نصوص تتواردُها نصوص، لتدرك أن الكاتبين قد يتساوان في الفن والتجربة ويبقى الشاهد التعبيري لا غير معيارا للمفاضلة بينهما، فإذا كان الجاحظ صنع مجده اللفظي اللغوي بانيا لمعان لم يكن يعلم أبدا إنها بالذات ما كان يرغب.

    حريّ بالمبدع أن يبدع لغة للمدلول (النسق الثقافي) دون اختزال للدال الموجود مخاطَبا أو مخاطِبا، لأن نفي الدال يعكس لا تطابقا مع الواقع والحقيقة (وإن كانت عبارة الحقيقة كمدلول نفسها فيها ما يقال، فعلى المبدع عدم القبول بالمفاهيم المتحولة بل عليه بصنعها وإقناع الناس باللجوء إليها؛ لأنها لا تنفصل عن أنساق جماليات العبارة ووقائع الخطاب، يكفُ المعنى أن يكون تمثلا وحضورا، معه لا تعود الحقيقة ثمرة علم صارم يتّصف بالوضوح والتواطؤ، بل تصبح سلسلة توظف شبكة من الاستعارات وتستخدم لعبة قوى واستراتيجيات كجمالية التلقي، وخطاب الأسطورة آلية في التفكير إذ لم نقل فيض من وحي الالهام، ولولاها لا تفعّل طاقة الإنسان التعبيرية والايحائية الكاملة لذا يلجأ إليه الشعراء والمفكرون.

      بلى، وهو يُشيّد قصورا من خيال تحيط بها أكواخ وزرائب ويأتي السَّيلُ سَيلُ الذاكرة يأخذ القصور وكل شيء متن خطابه السلطة والقوة ويحيد عن الاكواخ والزرائب كأنه ضارب أساسَها في العمق ومسلح بالحديد الصلد.. لكن فن الصّنعة عنده غاية يتم بها معنى هارب يجري وراءه غالبا بتكلف استطرادات عدة، أما جبران ومثله المنفلوطي تقريبا فيصنع اللفظة ليبني بها معنى كما يريده هو في خليل الكافر وفي حفار القبور فتحس أن معانيه يجري فيها دماء الحياة كما تجري سواقي الربيع، فعندما صنع مجده صنعه بكيانه وروحه ولم يصنعه بكلامه فبقيت الأكواخ والزرائب في الذاكرة محفوظة وذهبت القصور الى غير رجعة.

 


 بوزيان bouziane
بواسطة : بوزيان bouziane
موقع تنويري فكري وشبه أكاديمي، يتغيا تقديم إضافات نقدية تخص تحليل الخطابات الثقافية ونظرية النقد والأدب متوسلا بجماليات التلقي والنقد الثقافي، كما يعنى بنشر إبداع قصصي جديد ليس له ما يماثله على الساحة الجزائرية، والمقال المتناول للشؤون السياسية والإعلامية والاجتماعية المقاربة للظاهرة الأدبية والمحاكية المكملة لها.
تعليقات