اليوم الطَّريق لِلعودة، العودة إلى
الرّبيع، وإلى السّاحة البِكر، وإلى أفق الأرض الطاهرةُ الرحبة هناك، إلى المرجِ
الأخضر، إلى النّبع، إلى الجدول، إلى الأشجار، إلى الخرير، إلى الحفيف.. وإلى عالم
الملائكة.
ﺃجل، فأنا اليومَ عائد، عائدٌ ومعي صديقي اﻷبدي "الصبيُ ﺃنا" الذي كنت، والذي صِرت، والذي قصدته كلَّما وحملته أينما، لكن يذكِّرني على ما ﺃذكر ﺃنه هو من أرادني لمسلك الحياة هذا.. ونأخذ المسلك العظيم دوما جنب إلى جنب نحفلُ بالرَّبيع، ثم خُذ قصة العودة نفسها تجدها بعض شيء من حلم طفل قاب قوسين ﺃو ﺃدنى يكاد يطير بروحه وعمره إلى حيث موكب أنس وخميلة، حين تتلقّفهُ أغصانها المتمايلة وعصافيرها المرفرفة حول سرب غير مرئي، إلى حيث شُعاع الشمس اللطيف، يُقابلك ﺃبدا بابتسامتهِ العريضة، يفرش طريقك ﺃنوارا وﺃنوار تتلألأ كمُهجة الروح إشراقا.. ويزدك جديد ﺃمل في الإبحار.
وتمتطي نفسي، أقصد نفسه، موج اﻷمل الذي كلُه ﺃمل، منسمٌ عبر عبير الخيزران وشذى التُّرب من لحا البلوط ... آه، آه ﺃركب معه ذاك الخفيف اللامتناهي والرقيق الرقيق ﻷِخترق به كل الحدود، وﺃبين للعالم في وضوح من دون تخفي، نعم إنه خيال ذلك الحلم الأسطوري بل إنه قصة روح ماجد، آيب مع حبات المطر وراحل مع إشراقات كالكدر.. ومُحوِمٌ سنا
..
والقابعة تحت رحمة القدر لازالت
تنتظر ودوما مقدم الرّبيع! ها ذا أنا أغور أتلوى وأتسكع في وحدة مظنية بشوارع النُّبل
الغافية.. كلا ورب الكعبة لن أتخلى عن شوارعي هاته متى حييت، لأنها ملاذي الأخير إلى
الصبي الجارف يسكن رعشتي، وإلى انعتاق من سُبل القُيود. بلى مثلكِ أنا لكن لن يرحمكِ
وإياي القدر، أتضوّرُ جوعاﹰ
إلى نور الرَّب، وإلى آيتهِ سأعود وإلى الربيع أنا، أجل والصّبي سنبيتُ نمجِّد الرّبيع
أو نسعى إلى الظلام فيتوقف بنا الزمن عند عتبة الفجر الكاذب؛ أينما حللت وجدته كذا
ربيعاﹰ كاذباﹰ
بأنوار حمراء تسطعُ منها على الجميع عيونٌ شزراء تبكي من شدة الفرح، وهي تغرق في
حنان كاذب.. إنني أنا الإنسان، واﻵن لست ﺃركع
لله بل للجنون المُباح والمُفترض اللاَّجنون المُباح!
ما ﺃكفرك
أيُّها الشيطان تقف إلى البحر ولا تقف إلى النار،.. أنا الماجدُ عند شجرة
البلوط والتخسأ
كلُ مُتربصةٍ أو تغار على من يُميطون اللِّثام أو ينتعلُون النِّعال البرَّاقة. أبغي
ذِكرى الحنان وعطشان أنا عند الساقية، أتعذب في عذوبة وحُرقة إلى الجنة الخضراء التي
هي في ذاتي، لكن أين أنتِ مني أيّتُها الذات؟ سأعود، سأعود لأبحثَ عنكِ داخل الغاب
معرجاﹰ على المغرِّد العندليب
لألتمسَ منه سنفونية الخُلود وأعبث أنا باللّحاء وبالفطر الرَّخو المُعطَّر بِكلتا
يداي وأُقشره وأستقي جميع أسراره، وأهيمُ وسْطَ الأخضر اليانع، وملياﹰ
لا أنصرف حتى أفتري على الصيّادين لِأُضللهم وﺃنجُو
مع من نجا إلى واحة الحُب.. في قلبِ الغاب مُحيي الهمهمات الرؤوف البلبل ينوي الإنشاد...
بل سأطيرُ أنا وأحلق جنباﹰ
إلى جنب وأبو زُريق القمم في غمرة ذكريات اليوم والأمس وأرحلُ إلى الصَّمت الرَّهيبِ
في العُلى لِاٴلجَ ذلك اللَّحن الجلجامشي
كالوعد في أفق الجنة، أُريده يسكبُ الأعذب الأسمى والأرقى في قلبي؛ ﺃعلو
وألتفت وأنتشر مع التَّرانيم، وﺃنصتُ
لِآية السَّروة والسنديانة وأستنشق عبير الصنوبر الزَّاهي، وﺃقترب
ﺃقترب من رؤية الرَّبوة
السعيدة ذات الوُرود النَّدية طلعُ
هواها الفواح، وشافي الربوع صار مُجلجلاﹰ
في قلبي هواها أكاليل الياسمين والزهر والاٴُقحوان،
.. وشُدي أزري نجمة الألى والمحار وإن لم أتِيه بعد، لكن أنا أبحث عن ذائعِ الصِّيت
بين الوادِ وشمِ النسيمِ والحقلِ المديد والنَّادرِ والمُحتطب، تعودتُ أن أراهُ فيها
يَبغي الوِحدة لها يأنس ليستنير، هو المُعبأ بِحِنكة الوُجود فمتى رﺃيته
أيُّها النّعيم؟
لا لا لم أركْ قط!.. منذ أَمدٍ لم أركْ. إنّهُ فقط حُلم طيفُكَ يُراودني كل مساء عندما
أهمُ بالرُّجوع، أنا اﻵن بعيد عنك أيّتُها الرّبيع، أجل هاذي هي الحقيقة فما أقساها
وأوجعها حقيقة. والحين بعيد أنا عنكِ أيّتُها الذات بعيد.. بعيد.
يا مُوهب الرَّبيع والحنين سائر في موكبك أتوق إلى
الحقلِ وشطآن الحرير أنا ولا عزاء لي؛ أرنُو إلى الفجرِ الذَّهبي أنا وبشائر الخُضرة
والنّعيم الضافي في ذَيّاك المرج الخصيب،.. أبغي مرفأ الرُّوح لِأختلي بالرُّوح وأخلُد
إلى ذاك الغدير وذاك اليمِ العميق وقطائف المنبت حول الزّرْب والجدران المتهدم القديم.

