بوزيان بغلول
نكوص الشيخ الإمام المختار بن عبد الله الدايم
الشّيخ
المختار بن عبد الله الدايم ليس مواطنا موريتانيا، ولا هو من قرية معزولة من قرى الكتاتيب المختلية بين كثبان
الرمال وفيافي الجرادة المغربية، ولا هو شيخ من شيوخ زنوج الساحل الإفريقي المنتسبين
للتيجانية حتى، بل هو شيخ من شيوخ حواضر مطوية في دروب النسيان هناك في أعماق
الريف الجزائري. أجل، وستعرِف بصَلته لمَّا تشاهده يكرّر كلاما حفظه أب عن جد والناس
من حوله باعتزاز معجبون: " تنقصنا حماسة الشباب حتى نُقيم إحياء سنّة الجهاد
في سبيل الله، لكن لا بأس سيرزقنا الله قوة نشر الدعوة..." ولكن عندما ينادونه
بالحاج يكاد يشتمهم لولا أن سبق السيف العدل، بيد أنه في المرة الأخيرة عندما سأله
شاب غريب مرتَدٍ لعمامةٍ بيضاءٍ عملاقة تشبه الصحن ثم شكره قائلا: شكرا يا عمي
الحاج، بدت عليه ملامح السرور على غير العادة وكأنه تذكر صديقه الشيعي الشيخ الشيتيوي
الذي صاحبه إلى الحج.
وكان الشيتيوي شيخا يعرِفُ كيف يُحمّر خبز
الشعير، ويشوي البيض على الجمر من دون أي صفيحة معدنية، فكان يختار خشبة عريضة
يجعلها تجمُر ثم يلقي على سطحها حبّات البيض كي تشوى، ثم يقوم بخطف البيض المسلوق في
لمح البصر وحتى من دون نفضه ثم التهامه ساخنا.
وقد رأى الناس من المسافرين والرعاة عبر دروب المناسك
التي كان الشيتيوي يحطّ بها فظنوه راهبا أو معتوها، فهو يتداول على أرض اليهود
تارة وطورا على أرض الأنصار ثم يعود إلى فلسطين راجعا، فهو لا يقيم على حال دائم في
رحلته للديار المقدسة خلاف الشيخ الدايم، ثم إنه خارج ذلك هو دائم الترحال، وقد
دأب في حلّه وترحاله على اصطياد الحجل وبيضه لتناوله مشويا على الجمر، كما دأب على
التخييم قرب الأودية ليحلو له عصير كرومها البرية، وهو ما كان يغضب الشيخ الدايم
كثيرا. وهو يعلم ذلك وإلا ما كان ليغيضه بقصة الشيخ النفروزي.
وقد كان
النفروزي شيخا من شيوخ الطرق التيجانية الهالكة في الاستحمام بالرمل لطرد شيخوخة
الروماتيزم، وهذا ما كان يُذَكِّره حينما يلتقي بالشيتيوي فيعزيه في شبابه قائلا: أتعلم
يا شيتيوي أنني عندما كنت شابا كنت مثل ذلك الطاغية المستبد الذي عاش في سالف
العصر والأوان، لا أدري اسمه بالضبط كابور أو قابون أو شيء من هذا القبيل.
ــ أتقصد قارون؟
ــ ربما، ربما هو ذاك، ولكن لا يهم الاسم إنما تهم العبرة،
فقد جاوز قارون كل الحدود في البطش بالناس في ذلك الوقت وقد ملك العالم كله وأضعاف
ما ملك فرعون، إذ تجِدْهُ يبلغ أعلى الجبال في ساعة واحدة حيث يشكّل خَدَمُه سكة
بشرية يُدفع عليها بسواعدهم صاعدا مثل القطار إلى أعلى فأعلى، أما حقوله البعيدة
المترامية الأطراف والتي ليس يحدّها بصر فيبلغها مرة كل شهر ليطمئن على ملكِه وفي
ثلاث ساعات فقط، وهي كأنما سهول وبراري الحوض الباريسي في عصرنا، أجل فقط كان
قارون إلها مقتدرا وجبارا من الجبابرة الغابرين الذي كادوا أن يفني الجنس البشري
لولا حكمة من ربك سبقت عدله.
ــ كيف يا نفروزي؟ ويحك، وهو مجرّد إنسان وتألهه أمامي، أم أن
خطاب الجهمية قد أثر في نفسك؟
ــ (فيواصل النفروزي وفي نفسه أن يغيضه في مذهبه) لالا لقد
أراد هذا الملك الجبّار أن يثبت ربوبيته بطريقة فيها تكبّر ومروق إلى أقصى درجات
التجرد من الواقع..
.. إذ مرة قال لشعبه أنه لا نبي قبله، وأن أول إنسان وُجد
على الأرض واكتسب صفة الربوبية هو قابور ولا أحد غيره. لكن بعضا من شعبه شكّك في
الأمر، بل حتى أعوانه العلماء ومساعديه المقربين من شدّد على أن أول إنسان على هذه
الأرض لا بد أن يكون نبيا، فقال لهم: إذن سأبيد كل البشر أينما كانوا ولا اترُك
غير زوجين اثنين مولودهما يكون آخر نبي.. بعد أن أقتل والديه طبعا، لأنه كما هو
أول إنسان نبي لا محالة يكون آخر إنسان على وجه الأرض نبيا أيضا، أما إذا قلتم غير
ذلك عن وعي فليس لديكم حجة البرهان العقلي وجاز استعبادكم كقطيع حيوان، فعَدَل
أعوانه عن حجّتهم وقالوا بصوت واحد: بل أنت النبي الوحيد على هذه الأرض، لا قبلك
ولا بعدك. وهنا صحّت مقولة الشاعر المعاصر: إلهي.. يا إلهي لِمَ لمْ يموتوا كلهم
لتكون لي وحدي..؟
ولمّا التقى
الشيتيوي بصديقه القديم الدايم بن عبد الله أراد له أن يتعرّف على النفروزي فذهب إلى
بماكو النيجر حيث يقيم واستدعاه ضيفا إلى بيت الشيخ الدايم في عرش من عروش أولاد
نايل، وهو بيت من الشَّعر تحيط به الماعز والإبل من كل جنب، وعندما حلّ الضيف مازح
بن عبد الله الدايم شيخه الشيتيوي قائلا: ولِمَ لا تُعرِّج بصاحبنا إلى بكّته؟
فقال الشيتيوي وما مكته؟ وردّ الدايم مكّته هي عين ماضي فلكل طريقة ولكل مذهب في
الإسلام مكته، فقال له: صدقت ولكني أخاف عليه من قرّ عين ماضي وحرها. "بل
تخاف على جيبك منه" ردّ الشيخ الدايم، ورد الشيتيوي غاضبا: لم يمضي عندك سوى يومين
وتريد أن تفحِتَهُ عجبا، وأنت الذي هوايتك التعرّف إلى أهل الملل والنحل حول العالم.
ــ قد أسأت الاقتراح يا شيتيوي ما أنا بشيم الضيافة
بجاحد ولا بخيل.. (إذن ماذا هناك؟) .. دعني أكمل يرحمك الله وارتفع صوت الخصام حتى
وصل إلى النفروزي فطرح برنوسه الذي أهداه له شيخ قبيلة أولاد نايل، وتناول عصاه
وطرق مغادرا أولاد نايل وشمال افريقية العامرة بمراكز الجذب الروحي كلها وإلى غير
رجعة، وندم الشيخان على ما حصل.. وكمن يريد إصلاح ما أفسد قاما بالتكفل بمصاريف
عشرات اللاجئين النيجريين وإدخال أبنائهم الكتاتيب هناك.
ولما سُئِل
النفروزي هناك عن رحلته إلى "الشمال" ردّ
قائلا: لم أجد هناك غير برد الشتاء وحر الصيف ولولا رحمة الله لمت من الحر والقر،
فقالوا كيف كان ذلك هات وحدثنا يا شيخ الطريقة فقال: لولا حمام الرمل المشفي من
الروماتيزم في رمال بشار الحمراء الكثيرة الكالسيوم لما صعدت إلى هناك أصلا، فقد
أخبرني أطباء بماكو به عندما علِموا أني رحالة أجوب صحاري الشمال والجنوب وحتى
الشرق طلبا للوَلاية، لكن صراحة فيهم من طلب مني بسخرية بأن أبزق على مفاصل رجلاي
كي أبرأ. معتقدين أن الوالي بفتح الواو شخص أناني ومستبد لأنه يخضع لعواطفه ما ظهر
منها وما بطن، ويقول هذا وَجْد يُفنيني أو يَحُل بي في عالم المثل حيث الله.. أي يعني
في قرارة نفسه بشكلٍ أو آخر قول الشاعر: يا إلهي لِمَ لمْ يموتوا كلهم لتكون لي
وحدي.
بيد أن
الحقيقة هي أن الطرقي التيجاني مثل العلماني يبرهن على وجود الله بدون احتقار
للناس، فقول أهل السنة والجماعة بالتكفريين ووجوب احتقارهم باطل، لأنه أي خلية في
هذا الوجود لا تعرف فيه إلا بمعرفة ربها أو بالخلية الأخرى المجاورة لها، وهي لا
تهنأ ولا تستريح غريزيا إلا بالتعلق بالميتافيزيقا، وفي الوجود لا يوجد إلا
التنافس والعمل للوصول إلى الحقيقة، أي إلى الايمان بالله، فكيف يكون ذلك بدون حكم
عادل أعظم عدالة؟ لأنه يبقى مطلب لا وجودي في ظل اختفاء الموجودات وما أدراك لو كانت
الموجودة قائمة تنبض حياةً ومن الأسبق الوجود أم الغيب؟ إذن لا يوجد كائن اسمه
كافر، بيد أن المسلمين يتوهمون أن الذي لا يتبع مبادئهم الأيديولوجية لا يتصف
بأخلاق سامية تقربه لله، وبالتالي هو كافر وجاحد لله، بينما قد يكون أكثر البشر في
أيامنا تعلقا بالله إيمانا وحبا وبدرجات هي درجات؛ إما في التفاني في العمل كما هو
الجنس الأصفر والأبيض، وإما في التفاني في التحلي والتخلي التي يسلكها السالك، فيرفع
الله عن قلبه الحجاب ويتكشف له وجدانيا واليا ثم قطبا فغوثا، ويغدو بغض النظر عن
الرتبة نورا من أنوار الله التي تمشي هونا على الأرض.
أترون كم أن
الطرقي في زاويتنا مثل العلماني يحتكم إلى العقل لا النقل في اثبات الله.
ــ صحيح، لكن ربما للسلفية رأي آخر مخالف
أجل، وقد
ذكرتني في صديقي المختار بن عبد الله الدايم، ولن أجيبك إلا من خلال سؤالك الأول.
كيف قتلني حر وقر الشمال فتقهقرت عائدا إليكم، لقد قتلتني برودة دم السلفي وقتلني جفاء
الشيعي وهما على التوالي يسببان تجلط دماء مريض الروماتيزم وانفعال أعصابه وضغط دم
حتى الغثيان، وقد دعاني صديقي الشيعي الشيتيوي الذي التقيته في كذا من رحلة إلى دمشق
والحجاز، وهو قاطن في ضواحي الأغواط دعاني ليس لبيته ولكن لبيت صديقنا الشيخ
المختار السلفي قرب الجلفة، لكن بعد مكوثنا نحن الاثنين عنده مدة يومين لا أكثر بدأ
الشيخ يتضايق وطلب من الشيتيوي تضييفيه بدله في بيته حتى الموعد المحدّد لانطلاق
ندوة عالمية في دار الزاوية البلقائدية يستذكر فيها المدعوين من العلماء القادمين
من كل حدب وصوب مناقب السلف الصالح من أهل التصوف المغاربي سيدي أبي مدين الغوث وأحمد
التيجاني وأبو الحسن الشاذلي وغيرهم كثير، ولكن إرادة الدّايم قَطَعَت جَهِيزَةُ
قَولَ كُلّ خَطِيبِ كما يقال، مع أن ثلاثتنا لا نخرج إلى الصلاة ولا نأكل وننام إلا
معا وما كان من الجيران إلا تحيتنا، ولمّا تحدّث الناس عن ثلاثتنا لِما رأوه من صفاء
في تجمعاتنا المنتظمة في حيّهم قالوا: أنّهم مِثالا يحتذى في القوة والاتحاد.
بيد أنهم لم يعلموا أن مختارهم السلفي الشديد على
الكفار الرحيم بالمؤمنين يغوي الجهمية وما شابههم من الطرق الضالة للتعارف لهدايتهم
إلى سواء السبيل، وفي جميع الأحوال يصحبهم إلى السوق ليغريهم أكثر بالرحمة أو
"الزحمة" إن اعرَضوا بحيث يُضايقهم ويضيَّق عليهم ممرات السوق كلما
صادفهم، حتى يكاد يسقطهم بجنبيه أو منكبيه حتى ولو قالوا: ما هذا؟ ألم يكن هذا المختار
الدايم الذي دعانا إلى بيته؟ ألم يتعرف إلينا وهوايته التعارف؟ أم أنه قد فقد عقله!؟ أما الفضاء
الجغرافي الذي يعمّره الشيخ واتباعه مازال هو هو، الصحراء وأطرافها السهبية ويظل
بين البادية والحضر سائرا يطلب كفاف يومه وأشياء أخرى يظنها الناس بدعا.
أما ثاني
الثلاثة فقالوا عنه أنه علوي من أهل الشيعة التي انتشرت في شمال افريقيا منذ
القرون الوسطى تقريبا ويدعى الشيتيوي وحرفته قضاء حاجة البطن بطرق فنية مبتدعة هو
الآخر، وربما رمى ببيضه المسلوق على صفحة من حجر الوديان في بطنه وحده دون سائر
الفضوليين المنتكفين ينظرون فقط ليس قرفا منه، لكن خوفا منهم من تداعيهم في ممارسة
البدع.
أما ثالث
الثلاثة فهو شيخ الطريقة المدعو النفروزي وقد كان يقطن في بماكو ويعتمر كل عام، ويهبط
مصر حيث حي المغربلين ويعرّج بعده على بكة الطريقة بعين ماضي في الأغواط، وعندما
تعرف بالصدفة على الشيتيوي لم يدلّه على بيته القريب من عين ماضي إلا الشيخ المختار
ولم يكن الشيتيوي بخيلا! ولكنه كثير التنقل بين مضارب
شيعة شمال افريقيا في قسنطينة ووهران ومنهما يطير إلى مكّتهم قُمْ وكربلاء حيث
العتبات المقدسة وضريح عبد القدر الجيلاني ليس ببعيد عنهم، ولكنهم يجرحون فيها
أجسادهم بالسيوف فداءً لمقتل الحسين بن علي فينفر منهم أتباع الجيلاني.
وما قضى
الثلاثة عمرهم في الحل والترحال إلا تطبيقا للشريعة الإلهية، فالأول هدايةً إلى الإسلام
الصحيح باعتقادهم كما ورد في سنة النبي وخلفائه الراشدون والتابعين وتابعي التابعين
بالإحسان. وجماعته؛ أهل السنة والحديث أحياها ابن القيم الجوزية وتلميذه ابن تيمية
في القرن الثاني عشر بعد أن كثرت الفتن والفرق الضالة بعد سقوط الخلافة، ومن هذه
الفرق الشيعة التي يتشيع لها الشيتيوي ويناصر أغلب معتنقيها المعتزلة والجهمية، وهي
فرقة تدعو إلى ضرورة إعمال العقل في النقل أي في الكتاب والسنة، ومن هذه الفرق
الضالة الطريقة التيجانية التي تدعو إلى زيارة القبور والتبرك بها وبالأولياء
الصالحين في حياتهم ومماتهم.
فقد يقع حل
وترحال الشيخ المختار لا ضير في صدام مع معتنقي الفرق الضالة كالشيتيوي والنفروزي
بالذات لكنه ينكر أمامهما أي سبب في الجفاء والانقطاع عن مراسلتهما غير الانشغال بأمور
الأسرة، صورة كهذه للشيخ الدايم لا تعكس دماثته وحُسن سلوكه مع صديقيه القديمين
بقدر ما تعكس الذود عن مصلحة الجماعة مهما كان الأمر، والطّبع طبع نكوص وتقهقر إلى
ذات المبادئ ومعاملة الآخرين حسب مقتضيات المصلحة الأيديولوجية. وإذا كان الشيخ بن
عبد الله الدايم لا يفرّق بين الشيوعي والليبرالي والعلماني فهم جميعهم كفار، لكن
وجب أخذ ما لديهم من علوم ومعارف بل وأنظمة مدنية مكرسة لمجتمع التدين كالاقتراع
والعمل النقابي.
والشيعي عنده كما الصوفي مهما كانت زاويته وشخصيته
ومهما أرضت خدماته الشعب واعتداله الأنظمة السياسية، ومهما ساهم انحرافهما وتطرفهما
عن نهج أهل السنة والجماعة عقائد وعبادات وساعد على التصدي لأهل الكفر والالحاد،
كالذي تقوم به الصفوية ضد أمريكا واليهود، فإن الشيخ المختار ظل واثقا من نفسه
عندما طرد فجأة النفروزي والشيتيوي بحجة باطنة
تبيت للحجة الظاهرة لأن تظاهر الشيعة بحبهم آل البيت، وتظاهر الصوفية بالزهد
والورع شيء قديم وما فيه من حرج؛ أما رجوعهم دوما
إلى علي بن أبي طالب وأهل بيته الطيبين الطاهرين في أسانيديهم فليس لهم فيه عذر،
فإذا قاسمهم فيه الشيعة حتى التقيا عند مقطع الطريق الذي فيه تمثال عليا لا يعني
أن هذوا من أولئك، ثم كأنّما عليا ليس إماما لأهل السنة كذلك، ناهيك أنه لا
يمكن أن يكون التصوف الباطن المنحرف حجة على التصوف السّني الصحيح، فالغزالي قال
بأن التصوف طريق المعرفة.
وبالأمس القريب رُئي الشيخ يتباهى بأقرانه الهادين إلى
سواء السبيل، لا بل يحيطهم برعايته ويوصي عليهم مَن يوصي، مِن المؤتمرين والرحالة
ولا يجد في ذلك لومة لائم فمن يُحبب الرسول يحببه الله ويجعل له مخرجا.. وفيما هم
مطمئنين إلى صاحبهم النفروزي المتوعك كعادته في ذلك اليوم الحار، وهو باقٍ في
البيت الذي يأوي عشر نساء؛ تسع بنات وأمهم، رجع الشيتيوي وابن عبد الله الدايم من
الجامع ومعهم بعض مشتريات العشاء وعندما عرّج على غرف البيت واحدة واحدة لم يجد من
بناته إلا واحدة تساعد أمّها فأخذته الشكوك في النفروزي، بل وتعاظمت حين وجده على
سطح البيت يراقب كل صغيرة وكبيرة تقترب من البيت من تحت، ولما حضر العشاء كان ما
كان، فقال له: ما خطبك يا شيخ تترك غرفة الاستقبال وتصعد إلى هناك، فجاوبه
النفروزي قائلا: أنسيت أننا معشر لَدُنِيون تأتينا كرامات في أوقات لا نتوقعها
فنذهل عن أنفسنا فتطير قلوبنا خلف فيض الرحمن الذي يتكشف لنا على حين غرة،
"كرامات تقول كرامات" قال الشيخ المختار، وهو يكاد ينفجر غضبا، إذن من اليوم
فصاعدا لن يأخذ لدني عن الله يقظة ولا مناما، وَحْيا أو هتافا أو إلهاما، لأن
الشيخ المختار قرر ذلك، ثم اتبعها في نفسه (وغدا مع طلوع الفجر ستغادر)..
.. ثم وإذ
بطارق يطرق الباب ولم يكن الشيخ يعرفه ولم يرى من يشبهه في أولاد نايل كلّها، فدعاه
الشيخ للمأدبة التي أعدّها لضيفيه فقَبِل وكان غريبا ولا يبدو عليه أثر السفر في شيء،
وجلس بين الشيخين الشيتيوي والنفروزي مقابلا للدايم وقد سارع في تقريب الأطباق
ولكن الضيف لم يرفع عينيه لحظةً عن وجه الشيخ السلفي، وكأنّه يلومه على شيء لم يرُقه،
ولذلك لم يبدأ الشيخ الدايم في الأكل حين كان من الضروري أن يفعل تحفيزا لضيوفه، وعندها
نطق الضيف قائلا: لِمَ لم تسألني من أكون وماذا أريد؟
ـ ولكنّها عادتنا نحن العرب لا نسأل الطارق مهما كان
قبل أن نُضيّفه.
ـ ولمَ ترتدي ثيابا سودا؟ في علمي أنك تعلم جيدا هيئة
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ـ نعم نعم أجل بلى؟!؟:! أعرف أعرف بيضاء صافية كثياب
الملائكة.. وكلّها حتى الحذاء ومثلك.
ـ إذن أين سنته (ص) بينكما أنت
والشيح الذي على شمالي (يقصد الشيتيوي) فمن يراكما يوقن أنكما إما فقدتم عزيزا
غاليا أو أنكم من غلاة الصفويين وعتاتهم.
ـ ولكن الطعام سيبرد يا ضيفنا
الكريم.
ـ ما سألتك إلا كي تجيبني.
ـ أنا ملتزم بثياب أهل السنة
والجماعة.. والشيخ الشيتيوي ربما يكون أيضا.. لأنه من أتباع عليا كرم الله وجهه،
أما الذي على يمينك فهيئتهم بيضاء كالملائكة: إنهم معشر أهل الصفا
ـ إذن مجلسنا هذا مجلس فرق
ومذاهب وأنا لا أعلم.
ثم مال إلى عصاه وطلب المرحاض وفي
لمح البصر دلّه الشيخ الدايم عليه ثم ثبتا لا يأكلان إلا نزرا حتى يعود ولكن الضيف
لم يعود إلى أن كسَرَ الشيخ الدايم الباب ودخل فلم يجد ضيفه، وكان الجميع في
الطابق الأول، النزول منه إلى الطابق الأول يقع على مرآهم وممشى بناته وحرمه..
"يا لطيف.. فكأنما يكون طار وحلق في السماء أو ابتلعته الجدران" قال
الشيخ السلفي وهو في قمة الذهول والحيرة.. "أخشى أنه ليس ضيف محترما بل هو
مجرم سارق" قال الشيتيوي.. لا لا، لا هذا ولا ذاك، أخشى أنه ملك من السماء جاء
يعلمّكما دينكما، فسارعوا إلى التوبة خاصة أنت يا شيخ دايم فإنه لا يدوم شيء على
حال، أرأيت كم كان مضطربا حين تفوّه فاه بكلمة فِرق، ما كان رسول الله يبغي حتى أن
تُكنّى جماعته بجماعة السنة وما بالك أن تقابل جماعة الشيعة، وما بالك لو علم بما
تأتيانه هذين الجماعتين من ادّعاءات وبلاوي تنسب إليه (ص). إنّ خير سنة أراد أن
يخبرنا بها هذا الضيف المبجّل هي سلوكه الملائكي (ص) الذي لم يصطفى إلا بالعمل، أما
هيئة الإيمان فمتعلقة بالعمل والعمل ليس من جنس الفرقة بل من جنس الوحدة، وشيخ
الإسلام ليس ابن تيمية ولا الشافعي ولا ابن حنبل بل أي مؤمن سلك سوك نبيه هو شيخ
من شيوخ الإسلام أبي حامد الغزالي كان أو ابن سينا او ابن باجة أو ابن عربي، فالخير أبيض ناصع اللون وليس
أسودا حالكا.

