بوزيان بغلول
أمين الريحاني، وعي ثقافي رائد ودعوة حضارية غامضة
لم تُرجّح بتقديرنا كفّة شخصية أمين الريحاني الأديب الرحالة المتّكئة على ثقافة سياسية كفّة شخصية الفيلسوف والمؤرخ طيلة مساره الإبداعي، في مرحلة تاريخية ماجت بالتغيرات السيّاسية والاستكشافات العلمية وبمحاولات العالم الجديد وضع الاستعمار القديم المهيمن على العالم الثالث آنذاك أمام مسؤولياته التاريخية، ممّا جعله ينوّع نشاطه إلى حد مذهل محافظةً على طاقته الإبداعية التي امتدت حتى وفاته في حادث دراجة عن عمر ناهز 64 عاما.
وفي الرابطة
القلمية أعضاء مؤسِسين لم نعايش إنتاجاتهم في القصة والشعر والنقد كما عايشنا
إنتاجات جبران ونعيمة وأبو ماضي لدرجة يخال فيها المرء أنهم في الأصل كتّاب مقالات
بالصحف المهجرية ليس إلاّ ومن بينهم أمين الريحاني، لكن في أن تجد هذا الكم من
مؤلفاته، تحاول التأسيس للأدب المهجري بربطه بموضوعات سياسية وفلسفية بعضها أثير
وبعضها جدلي بامتياز بداية من المحالفة الثلاثية عام 2003 إلى كتابة الرسائل إلى
حكام الانتداب الإنجليزي وملوك العرب العام 2024 مرورا بأول عمل روائي له عام 2011،
وهو الأمر الذي قد يحيد عن أهداف الارتقاء بالفنون الأدبية كما خططت له الرابطة
القلمية باعتبار أن الموضوعات غير المكمّلة للظاهرة الأدبية كما يشيع في فن
المقالة قد تضر أكثر ما تنفع.
والريحاني
لم يداوم الكتابة في نوع معرفي أو قالب أدبي معين، غير أنه حسب
مارون عبود أبو الشعر المنثور في الأدب العربي، وهو الذي مهد الطريق لجبران وعبّدها، فكان في انتقاله من الأدب (الشعر المنثور) وأدب الرحلة
إلى النشاط السياسي والتحليل التاريخي والفلسفي تشتيت لطاقاته الإبداعية في ميدان
الشعر والقصة عكس أبناء وطنه جبران ونعيمة وأبو ماضي والأخطل الصغير، وللريحاني ما
يربو عن 63 مؤلفا منها: نبذة عن الثورة الفرنسية 1902، المحالفة الثلاثة في
المملكة الحيوانية 1903، المكاري والكاهن 1904، الريحانيات بجزأيه 2010، زنبقة
الغور 1915، تاريخ نجد الحديث 1928، النكبات 1928، خارج الحريم 1915، القوميات
(مقالات متفرقة)، قلب العراق 1935، جادة الرؤيا (مقالات متفرقة)، وقلب لبنان 1940 ..،
ويستطيع الناقد أن يتوغل في عمق المبدع من خلال ما تحظَ علاقة اللغة بالفكر لديه
من اهتمام، العلاقة التي لم تشغل الفلاسفة والنقاد فقط، بل شغلت كل مثقفي العصر
الحديث والمعاصر من بينهم أدباء الرابطة جبران ونعيمة وشعراء الحداثة في
الخمسينيات.
ولد المفكرٌ والأديبٌ، والروائي والمؤرخ
والرحالة، ورسام الكاريكاتير اللبناني أمين فارس أنطون يوسف بن المطران باسل
الريحاني في 24 تشرين الثاني نوفمبر 1876م في بلدة الفريكة من قرى منطقة المتن
الشمالي في جبل لبنان، وهو من أسرة مارونية تعود بجذورها إلى قرية (بجّة) في جبيل.
انتقلت أسرته حوالي منتصف القرن السابع عشر إلى ضيعة بيت شباب في المتن، ومنها إلى الشاوية مع المطران
باسيليوس عبد الأحد سعادة البجّاني الجد الثاني لوالد أمين، ويحكى أن منزل الأسرة
هناك كان محاطا بشجر الآس أو الريحان فبات يعرف ببيت الريحاني. ويعدُّ
من أكبر دعاة الإصلاح الاجتماعي وعمالقة الفكر في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل
القرن العشرين في الوطن العربي، ولقب بفيلسوف الفريكة.
وعلى هذا النّحو وإذا اعتبرناه مفكرا فيلسوفا
فإنّ دعوته إلى الحفاظ على التراث الثقافي العربي لكل منطقة عربية على حدا ستميزه
عن مفكري عصر النهضة العربية، الذين يمكن تقسيمهم إلى تيارين حسب موقفهم مِن
التعامل مع الحداثة الغربية، تيار إصلاحي ويهدف إلى التوفيق بين الأصالة والحداثة
(رفاعة الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني، عبد الرحمان الكواكبي، البارودي، محمد عبد،
رشيد رضا، شكيب أرسلان، أحمد شوقي، العقاد..) وتيار تجديدي دعا إلى الأخذ
بالعلمانية والمدنية الغربية دون تحفّظ (علي عبد الرازق، سلامة موسى، طه حسين،
قاسم أمين، جبران..) وتكمن ريادة الريحاني في دعوته تلك لمّا ابتعدَت عن جوهر
الدين في دعوة كل تيار من تياري النهضة العربية آنذاك، لكن تُشابِهها فكرا وليس
منهجا توفيقيةً توفيقية بطرس البستاني (1819 - 1883) بين الأصالة والحداثة لِمَا
مثّله من جناح متميّز داخل التيار الأول يمكن تسميته "بالتوفيقية
العلمانية المدنية" أو "النهضة اللبرالية
الإنسانية" مهّد الميل إلى التيار
الآخر بنفس القدر، ولكنه أولى الحريات الخاصة طائفية وفردية أهمية بالغة.
1. الريحاني من خلال كتاب
القوميات:
سنطلّ أولا
عبر هذه الزاوية على قامة المصلح الاجتماعي والثائر المغامر في سبيل جمع الهوية العربية
في قومية واحدة، وفي التي تليها على قامة كاتب
الرحلة والقاص، والروائي، والرسام، والناقد الفني، وكاتب المقالة والرسائل
باللغتين، ومن ذلك جميعا كان فيلسوفا، وعبر كِلا الاطلالتين غزارة إنتاج برغم جولات طويلة، فهو قد ترك آلاف الرسائل
وآلاف الأوراق والمسودات التي تناول فيها قضايا كثيرة فكرية وفنية وأدبية ما يطرح
افتراضا مفاده حصوله على امتيازات في النّسخ والطباعة لعضويته في جمعية الشعراء
الأمريكيين، ونادي المؤلفين الأمريكيين، وقربه من دور النشر اللبنانية.
وثانيا كان
الرّيحاني قوميا أكثر من العرب أنفسهم ومُحبا لوحدته القومية ممّا سيجعل الانتداب
الانجليزي يشكّ في عروبية الرّجل أو في جاسوسيته لصالح أمريكا لإبرام صفقة بينها
وبين الملوك العرب بعد أول رحلة إلى شبه الجزيرة العربية عام 1922، يساعدهم فيها على
الوحدة القومية على أسس سياسية علمانية واقتصادية أمريكو ـــ إسلامية ويضمن
استخراج الشركات الأمريكية للنفط مقابل أرباح محدودة، ومقابل التعهد له ولأمريكا برد
وصد الطروحات التجارية والسياسية التي كانت بدأت إرهاصاتها لمنافسة الغرب وأمريكا
على تقاسم مناطق النفوذ في العالم. ولما كانت الديمقراطية مكون أساسي في أخلاق
السياسي العلماني، وحتى يصل الريحاني إلى نوع من الحرية الأخلاقية لابد منها للمرور
إلى الإيمان بالحرية الدينية التي استهدفتها حركة الإصلاح البروتستانتي والحرية
الفنية التي استهدفتها حركة النهضة.
فهو قد سار مسيحيا مارونيا إلى قادة وملوك عرب
مسلمين يبغي منهم الوحدة على أسس ثقافية جديدة أشمل من الأسس الدينية، فاعتقدوا أنّ
الريحاني أميرا مارونيا لِمَ قدّمه من أفكار تلح على التسامح لتجاوز الانتماء
العرقي والطائفي (مجموعة المقالات التي كتبها بين عامي
1910 و1920)، وقد
سافر قبلاً إلى أمريكا تمهيدا لتطبيق هذه الأفكار في بلاده التي تعاني من التعدد
والتشرذم الطائفي والحضاري، وقد رأوا أن شبه الجزيرة العربية التي كانت تعاني أكثر
من لبنان تملك كتاب الله لذا لا خوف عليها، بيد أن تشرذمها أكثر مدعاة لقلق وهم
الريحاني لأن للوحدة والتغيير شروط معنوية وسياسية وهي الحرية والعدالة والمساواة
وصولا لمؤسسات سياسية منتخبة (الملكية الدستورية في شبه الجزيرة والنظام البرلماني
في اليمن وسوريا ولبنان) وشروط
مادية وهي ضرورة مواكبة التنمية الاقتصادية بتطوير
البنى التحتية، وتنمية
الطاقات الاقتصادية والبشرية بالتربية والتعليم
المناسبين.
نجاح وحدة الأمة
حسب الريحاني لا يتم إلا عبر الفصل بين إيمانها الديني أيا كان وإيمانها القومي
العربي، وهذه الرؤيا العلمانية الجادة بقدر ما تعكس التقاءً فكريا مع بعض مفكري
النهضة آنذاك اللبنانيين بخاصة تقابل موقف رجال الدين محمد عبده والافغاني ورشيد
رضا، وتعكس وعي الرجل وتخوفه من جهة (من خلال المشروع الذي اختمر في رأسه عن الشرق
وهو في الغرب) من تغلغل الفكر المتعصب في الشرق وشبه الجزيرة العربية بالخصوص،
لتقاربهما في إقصاء دور الذات العنصر الأهم في الحداثة والتنوير والعلمنة، ومن جهة
أخرى من الوقوع في شرك التناحر المذهبي بالتحديد بين مؤيدي الوهابية وغيرهم من
المذاهب وهذا لا يمت للإصلاح بالنسبة إليه، بل هو تطرف وغلو وما يشفع للريحاني في
الأخير ويجعل من فكره مقبولا ومرحبا به لدى الملوك هو موقفه المتعاطف مع الدين
خوفا على القومية، وما يشفع له أكثر كونه مسيحي لا ناقة له ولا جمل في أي نشاط
دعوي (السلفي بالتحديد) أو مناهضا له سياسيا، وتعاطفه جاء من منطلق ثقافته وانفتاحه
على نظرية التطور الداروينية التي أثارت صدمة في الأوساط الأمريكية آنذاك، كمن وعى
أن الدافع الديني مثل الدافع الجنسي غريزي في الإنسان وكلاهما له الفضل على تطوره
البدائي واستقلاله عن المملكة الحيوانية وصولا إلى عصر الاعتقاد بعالم مقدس مواز
لعالم الوجود أو ما يسمى Neanderthals قبل 150 ألف سنة قبل الميلاد.
لكن كان
يبدو واضحا رفض الريحاني للتدين أو الممارسات المنحرفة التي تناقض رسالة المعتقد
التي يقوم بها رجال الدين في الديانات الثلاث، وموقفه ضد رجال الدين المسيحيين كان
واضحا، لأنه كان من المؤمنين بأن معظم هؤلاء بقصد أو بغير قصد، ورغم كل النوايا
الحسنة افتراضا يمارسون إقصاءً بشكل يتناقض مع تعاليم المسيح، وانطلاقا من هذه
الفكرة فإن الكثير من الممارسات تبعد الناس عن الإيمان الحق بدلا من أن تقرّبهم،
ومن أجل ذلك ألّف قصة المكاري والكاهن (والمكاري هو الانسان الذي يحاول أن يتحرر
في إيمانه عن الأيديولوجيا في توظيف السياسة للدين أو العكس) ومن أجل الإرث اللغوي
والإنساني المشترك العربي الجامع المتوفرة بذوره ألّف قصة رمزية "ثلاثة
تحالفات في مملكة الحيوان" وتنمُر الجياد، والحمير، والبغال.
فكان
الرجل يعي ماذا تعني وحدة الحجاز ونجد والعراق ومصر واليمن، فإنما ذلك يعني غلق
أبواب العزلة والتخلف الفكريين في التركيبة الاجتماعية لهذه الدول، وهو ما تجلى
بوضوح في كتاب ملوك العرب بأجزائه السبعة، فالرحلة الأدبية الاستكشافية للمشرق
العربي من أمريكا إلى عمان عبر الإسكندرية ثم اليمن فنجد والحجاز وبعدها العراق عبر
الهند كشفت أن المستشرقين الإنجليز لا تخدمهم وحدة العرب حتى في أمنهم، ولعلنا نجد
في مصادر أولئك وهؤلاء (المستشرقون ووكالات الانتداب) ما يطلق على شخصيته صفة الغموض
والجاسوسية بمجرد أنه عقد العزم على إزالة الأوهام والضلال المترسب من صدور العرب المتعلمين
والأميين معا قبل أي استئناف حضاري كان قد تعطّل، فأعطى الريحاني
كمثقف غير منتمي (مسيحي ماروني) الأولوية للأرض أو الوطنية على حساب الولاء الفكري
والتعصب للانتماء الديني وصولا إلى الإفصاح عن شرط علمانية الدولة وبصراحة لجميع
الملوك الذين ربطته بهم صداقة، ونجحت بأن تعدّت المكون الديني والتقت معهم في
رابطة الدم والقومية، وما يعزز فكرته في الفصل بين الدين والدولة انتماؤه للأرض
واللغة العربية من جهة، وتجاربه مع الثقافة الأمريكية التي نشأت على هذا الفصل من
جهة ثانية.
2.
الريحاني بين النّظم والنقد الحضاري:
لأمين الريحاني مقالات نقدية فنية عدة حول الحضارة وفن الرسم والكاريكاتير،
وله كتاب في النقد الأدبي يمثل حصيلة
إنتاجه النقدي وعمق معرفته الأدبية، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: أدب وفن، وجوه شرقية
غربته، وقصتي مع مي زيادة. وهو الآخر مجموعة مقالات ومراسلات
للأديب أمين الريحاني كتبت بين عامي (1905- 1927) في أكثر من جريدة ومناسبة، أشهرها
مقالة "قصتي مع مي" تعالج محنة مي زيادة في المرحلة الأخيرة من حياتها، وقصة
التعارف الأول بين الطرفين وكيف نمت العلاقات بينهما. وإن كشف ذلك على شيء فإنما
يكشف منحا من مناحي العلاقات الإنسانية بين الأديبين ومن شاركهما في شبك خيوط تلك
العلاقات من داخل الرابطة أو من خارجها. ومن عناوين الكتاب الذي لم
يلقى رواج كتبه الأخرى: يوم الخيبة، رسالة من سلمى صايغ إلى أمين الريحاني، رسالة
من الريحاني إلى أحمد لطفي السيد، رسالتان من خليل ثابت إلى الريحاني، رسالة من
خليل خوري، كتاب من القنصلية المصرية، وفيها يقيم ويدلي بالنصائح والتوجيهات ويثني على مواقف
حضارية.
لعلّ من سمات
تشتت أفكار الريحاني هو البعد النقدي المنهجي؛ في اعتماده على النقد الأدبي
التقليدي الذي هو عبارة عن نقد فني وحضاري يخلط بين العلمية والمعيارية بناءً على
الصبغة الأسلوبية التي يطبعها الكاتب على نصه، على أن لفن القص اتجاهات أسلوبية
كما للشعر وأدب الرحلة أيضا، وتجربة الشعر المنثور التي تطلع الريحاني لنشرها في
العالم العربي تأثرا بالشاعر الأمريكي Walt Whitman لم تستمر وما قصائد هتاف
الأودية التي نشرها العام 1910 إلا ارهاصات ذلك الشعر، أما أسلوب كتاب "كتاب
خالد" 1911 القريب من الشعر المنثور الساخر فإسقاطاته الفلسفية غطّت إلى حد
بعيد أسلوبه، ناهيك عن لغته الصعبة النخبوية عكس قصص جبران المتأثر بنفس الأسلوب
البسيط اللغة في الأجنحة المتكسرة 1912 والأرواح المتمردة 2014.
وفي نفس الوقت طُرحت أسئلة كثيرة حول شخصية الريحاني
انطلاقا من قصصه المنشورة هنا وهناك، ووصفت بالغموض في مرحلة حساسة ومفصلية من
التاريخ العربي الحديث تبعا لأسلوبه خاصة فيما تعلّق بطرحها لفلسفته الوجودية
ودعوته الاصلاحية الاجتماعية التي تعتمد على أخلاق ليبرالية وزاد صُوفي زاد من تماسكها
تجرية الرحلة إلى أكثر من بلد عربي وخاصة اليمن والمغرب، مستفيدا من قراءاته
للتاريخ الهندي الحديث وباحثا انطلاقا من أمريكا عن كيفية تكييف الهوية العربية التي
مركزها نجد والحجاز مشرقا ومغربا لتنسجم مع تحولات ما بعد الحرب العالمية الأولى،
ولعل قيامه بجولات طويلة بين قارات العالم وقد سلخت زمنا ليس بالقصير من عمره وفي
زمن تفشى الأمراض والأوبئة، يطرح فرضية العمل السياسي المخابراتي إلى جانب العمل
الإنساني الوطني والفكري الحر.
1.2. أسلوب الريحاني في "الريحانيات":
ولما طرحت مؤلفات الريحاني هذا الزخم المعرفي الذي لا
تستطيع معه أن تصنف نوع الكتاب قصة أم مجموعة مقالات فلسفية كما في "الريحانيات"
الجزء الأول الصادر عام 1910 ثم هي في الأخير خارج التصنيف الجنسي الأدبي شعرا
ونثرا إلا ما كان للتوثيق، فلكأنه مؤرخ أو فيلسوف أو سياسي همّه التركيز على المضمون
دون الاهتمام بالتعبير، فأسلوب الريحانيات بلغة النقد الفني المعاصر أسلوب صحفي؛
التصوير المجازي والبلاغي أو الخيال الشعري يؤول الخبر والفكرة الفلسفية أو يجبر
القارئ على ذلك مفتقدا لسلاسة العبارة وتدفقها المتسلسل الجميل حتى ولو تناول
غنائية الذات وجمال الطبيعة المفتقدين لدى الشاعر الرومنسي كما هو معروف عند غريمه
جبران عدا في النبي. ولا ريب في ذلك كونها عبارة عن رص لمجموعة مقالات وخطب وشعر
منثور دون قالب فني.
وسيجد القارئ في قصة "كتاب خالد" وهي
أول رواية عربية مكتوبة بالإنجليزية تجمع بين السرد الواصف المباشر والتأمل
الشاعري المتكلف، وبالنتيجة في أنشودة المتصوفين مثلا يبشّر الريحاني بوحدة الوجود
على المستوى الكوني وصولا الى وحدة إنسانية تحكمها قيم إنسانية واحدة من الشرق إلى
الغرب، فتعرف أنه لبناني من خلال اللغة المحلية المستعملة. وفي شخصية خالد
يتضح أن الريحاني ينتقد الحضارة الشرقية، وفي أنشودة المتصوفين ينتقد الحضارة
الغربية، وتجلية مساوئ الطرفين هو نقد ثقافي بنّاء يجعل كل طرف في حاجة إلى
الآخر، مظهر الريحاني الحداثي وكأنه ثوري يبحث لتطوير الذات (عولمة الشرق) مما عند
الغير من إيجابيات للبناء عليها ومن مساوئ لتركها، بينما حداثة جبران الفكرية
مجسدة من وحي أسلوبه القصصي المفعم بالعبارة البسيطة المجنحة الحساسية والخيال
موجهة للإنسانية جمعاء (عولمة الشرق والغرب)
وجمال الطبيعة له أثره في إلهام الفنانين، وهم
غير معنيين بمجاوزة ما أمدّتهم به هذه الطبيعة من المواد الأولية وهي صور من أنفسهم ممتدة في الآفاق، كأنها شعر منثور
لغزارة الخيال وبراعة التصوير وانسجامه مع ما تجود به الطبيعة كما في قوله:
"اِسمع حفيف الأوراق البالية التي تتقاذفها الأهواء.. اُنظر إلى أشجار
الصنوبر والسّنديان كيف يتشامخ كبرا وعتوا والعواصف تلوي رؤوسها.. انظُر كيف يلاعب
الهواء أغصان الخرنوب.. انظُر كيف يتوالى الحب والبغض" وأسلوب سردي قائم على
الوصف كهذا ستجده يتكرر محبوكا بشكل أكثر تصويرا في قصة جبران خليل جبران الملك
السجين: "أنظر أيها الأسير الجليل، أنظر إلى الشوارع المنفرجة يتربص اللصوص
بين منعطفاتها، وتختبئ الخوارج بين جنباتها، هي ساحة قتال" ومنظّرا مسجّى
بمعرفة الله عند معروف الرصافي المعاصر للريحاني: "انظُر
لتلك الشجرة.. ذات الغصون النضرة.. فانظر وقُل من ذا الذي يخرج منها الثمرة..
انظُر إلى الشمس التي جذوتها مستعرة"
فطبيعة وطن
التّرعرُع ملهمة حتى وإن كانت قاسية وهي من أهم خصائص الرابطة رومانسية الاشتياق إلى
الوطن. هو ذلك الحبيب المأمول الذي غالبا ما يرمز إلى حرية الكاتب الشاعر ذاته أو إلى
حرية شعب ورغبة في الانعتاق، فالطبيعة وما تلهمه والرحلة وما توجده والقراءة ما
تكتنزه ثلاثة أقانيم في وجود أمين الريحاني. اكتسب ثقافة موسوعية نتيجة قراءاته
المتعددة لمختلف الآداب والفلسفات الإنسانية من الشرق ومن الغرب واطلاعه الكبير
على مختلف المشارب الفكرية، وحتى المتناقضة منها جعل منه شخصية أكثر انفتاحا على
الآخر، وأقل تزمتا لمذهب ادبي لصالح آخر، أو اتجاه فكري ومدرسة فلسفية على حساب
الأخرى.
وفي المقابل
وبرغم قدرة فائقة على وصف المشاهد والأحداث
وامتلاكه حساً فكاهياً رفيعاً فإن سياق أدب
الرابطة القلمية يسجّل استحياء عبارات الريحاني على التجول في أروقتها بألق الجودة
وخاطر الذوق الرفيع المنساب من جمالات نفس الطبيعة ونفس الهوية لتشخيص فكره، وذلك
مفهوم، كون اللغة كالإنسان الذي يشرع نوافذ منزله بعد أن انحبس عنه الهواء، هواء
العزلة، ومفهوم لأن الأسلوب قد يتغير بتغير القالب الفني الذي يستعمله الكاتب
فيؤثر ذلك بشكل ما على السرد القصصي كما في الريحانيات ويجعل من الالتفاف فخا غير
متوقع لدى القارئ فالانزياح التركيبي (أو العدول) من أسلوب في الكلام الى أسلوب
آخر مخالف يحدث تشويشا في الذهن، لكن بفضل هذا النسق اللغوي المغاير المدعو التفافا
والذي يكون سببه لاريب لدى الريحاني صعوبة الربط السلس في نفس الفكرة بعد التعود
على أسلوب الخطب والمقالة النقدية والسياسية وأدب الرحلة، وهو عند المحدثين مكون
جمالي مولد للشعرية، فالزمخشري يرى أن الكلام إذا نُقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن
تطرية للسامع وايقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد (ينظر محمد عبد
المطلب: البلاغة والاسلوبية، ص276)
وفي محاضرة الريحاني بالجامعة الأمريكية ببيروت وإدلائه
برأيه لأكثر من صحيفة أمريكية عرف عنه التركيز على الاشكاليات الفكرية ونقد إسراف
المادية الغربية، ولا تخلُ النقاشات حول أعماله الأدبية ونشاطاته الفكرية والإنسانية
والفنية من جدليات المادة والروح مثلا والعقل والأيمان، الشك واليقين، الطبيعة وما
وراء الطبيعة، تجاوز التمييز بين الجنسين، مع تقديس حرية الرأي والتعبير لأن الريحاني
يعيش هذه الصراعات الثنائية، وولعه بالحرية والنشاط الرأسمالي لا يعني سلامتهما من
نقده خارج الشروط الإنسانية، أما ديمقراطية الحزب التي خبرها فلا معنى لها عندما
لا تقيم وزنا لحقوق الأقليات إلا في أيام الاقتراع، أين في بلد كالهند الأقليات أقليات
بضعفهم المادي وأكثريات بقوتهم الروحية، وليس أكثر ما أثار الجدل الديني في حياة
الريحاني من محاولة الاكليروس حرمانه الكامل إثر تبشيره بنظرية داروين في التطور، وظل
الريحاني في مقالاته النقدية في مجلة فنون لا يهاب ملامح الداروينية وكل متعالي عن
النقد ملتمسا لها النزعات الفلسفية، من شكسبير إلى توماس كارليل إلى فولتير مرجئا
كل ما لا يحتاج إلى تأويل، مع استئثاره دينيا بالمنحى الصوفي العرفاني كما ظهر في الجزء
الأول من ملوك العرب، والشك الديني أو النقد الديني عنده رديف الإيمان بوحدة
الوجود والإيمان بالله لكن الجامع لكل الأديان والعقائد، وحدة الوجود تعني الله
والطبيعة والعالم هما شيء واحد.
أما أشكال التصوف الطقوسي التي صادفها في مناطق
معزولة بالمغرب واليمن اكتفى بوصفها بدقة كما وصف ملوك العرب في حديثهم وحركاتهم، على
الرغم من كونه ولد مسيحيا وعاش لا دينيا تجده مهتما عارفا بالتراث المشرقي من
الهند إلى الصين وما بينهما إلى آخر حياته، لم يقلل عنايته بالتراث الغربي الأدبي
الكلاسيكي أو الفني الأوروبي فهو من تجليات التماسك القومي لأي أمة، لذا وشّح
رواية "كتاب خالد" برسومات جبران.
لمّا حمل هذا الأديب والمفكر هَم الإنسان وهم
الحرية وهم الكرامة الانسانية دنا في آخر حياته من الحكمة ومصافاة التقوى، فإذا
كان جبران منذ شبابه حكيما فإن الريحاني انتزعها انتزاعا بعد طول عمر من تجاربه في
مقارعة هموم الجهل والبؤس والاستبداد والجور وهو القائل: إن الذين يتاجرون بحريتهم
كما لو كانت ثوبا من الخام ما هم إلا قبور متحركة ــــ ليس هناك شياطين غير بشرية
وعالم الجن ما هو إلا عالم من الوهم والخيال، لي اسما ورسما ولا دين لي ولكنني
اعتقد بالله واؤمن بالإخاء البشري ـــــ من يكتب للمستقبل لا يجازيه الحاضر ومن
يكتب للحاضر يجازيه المستقبل.
3.
أدب الرحلة في كتاب "ملوك العرب":
سننطلق من الغرب الذي
اكتملت فيه شخصية الريحاني للبحث عن الدوافع التي كانت تقوده في حياته، بالتدقيق
إلى الرحالة الانجليز الذين ذكروا الريحاني في رحلاتهم الاستكشافية والاستشراقية
لنأخذ منهم ما يقارب هوية الريحاني الحقيقية هوية تبدو غامضة وما زادها غموضا
صعوبة الحياة في ذلك الوقت، برغم ذلك زار شبه الجزيرة العربية وأسال عنها ثلث حبر
مؤلفاته، فزيارته للملك الشريف حسين والملك عبد العزيز وقبلهما الأمير يحي عبر
اسبانيا والإسكندرية كانت محاولة شبه مستحيلة التّحقق لولا شخصيته الارستقراطية
بإزاء الانجليز وبساطته بإزاء البدويين، وبذلك تمكن من تطبيق عملي لتعليمه النظري في
نيويورك وكل قراءاته في السياسة والأدب والفلسفة يجب أن تستند على تجارب عملية في
الديمقراطية والتحرر لليبرالي، وبقدر ما تجلت فكرة التحرر للفهم في العالم العربي
مع بدايات القرن العشرين، عالم كان واقعا في أسر إما الانتداب أو أفكار المعتقد
الراسخة ومذاهبه المتصارعة بقدر ما زادت شهرته فسُلِطت عليه الأضواء أكثر من ذي
قبل لما ألّف كتاب خالد عام 1911.
والريحاني شخصية جذابة لسيطرة هاجس الفكرة
الجديدة التي تؤدي إلى التغيير والتحرر معتمدا على فلسفته الغربية في بناء الذات
والهوية، معولا على خوض غمار جدالات التنوير دون حذر، والموضوعات المتداولة هي
العقل والحرية والحقيقة، الشرق والغرب، العلم والإيمان، الروح والمادة.. وستمكنه
فلسفته وثقافته العميقة وروحه الأدبية من الاستقرار على شخصية المصلح فيه وهو
القائل: لا إصلاح للمجتمع قبل إصلاح الفرد ولا إصلاح الفرد قبل إصلاح الروح، وهذا يناقض
كلية التفسير من أن الريحاني كان تاجرا ماديا مهوسا ومغتبطا بأموال الخليج، بل كان
شخصية واقعية وروحانية هدفها بناء القومية العربية بناء قوميا إنسانيا لا
أيديولوجيا، وكأنه تنبأ بالمستقبل المظلم لحركة التنوير في العالم العربي والتي
ستنتكس في النصف الثاني من القرن العشرين مؤدية الى إهدار التاريخ وتقهقر العقل العربي مع النكسة تتجاوز
الرؤية المعادية للاستعمار إلى الايديولوجيا المعادية للغرب بحيث يجبر الفرد
ويساوم على هذه الأيديولوجيا (استعمار جديد) بدل أن يكون ذاتا حرة فعالة لا تسعى
إلى التسلّق والتملّق أو ما يسمى في علم الاجتماع
بديناميكية القطيع Herd
Mentality تحت تأثير قلة لهم قوة السبق والتأثير،
والبقية إمّا تتلون خوفًا، أو تخضع عجزًا، أو تقلد بلا وعي.
فبتقهقر
القوى المسلحة تتقهقر الأنظمة السياسية ويضيع الأمن
القومي كما هو حاصل في زماننا فعلا، ولعل التمسك بالقيم الروحانية للشرق لا تلغي
المزايا الأخرى في الإنسان لكن تحفظها من استعمار المادية له، ولعله يوجد في رحلات
الريحاني الخليجية والتي وثقها في كتاب ملوك العرب ما يشي عن فن كتابة أدب الرحلة،
ومن الرحالة الإنجليز الذين أفادوا من رحلاته هناك وعبروا عن ذلك نجد جون فيلبي John Philby وكان رحالة
ومستكشفاً بريطانياً مشهوراً، وقد استقرّ في شبه الجزيرة العربية وأصبح مستشاراً
للملك عبد العزيز آل سعود. ونستشهد بالجزء الأول من مؤلفه
"ملوك العرب" والذي يصف فيه بداية رحلته في شبه الجزيرة العربية من عدن
باتجاه صنعاء فجدة، ولكن الطريق جبلية محفوفة بمخاطر بادية عرب اليمن المحتربة
فيما بينها وبين حاميات الإنجليز ووكالاتهم وهنا تكمن متعة الرحلة ومتعة توثيقها.
ويذكُر الريحاني أن جنوب اليمن كانت أكثر
المناطق غرابة وأخطرها، وكان يفكر في بلوغ الحجاز من عدن جنوب اليمن السعيد، وقد
وجد في نيويورك يمنيا أخبره أن أهل اليمن دائما في احتراب مع الأتراك ومع القبائل
ومع الادريسي ومع بعضهم بعضا، ومهما كانت قوة وحكمة الأمير اليمني لا يمكنه حكم
إلا جزءا صغير، وأن أهل اليمن لا يخضعون لأحد ويحبّون الحرية ويحاربون من أجلها،
بل ويذبحون أقرب الناس إليهم ليكونوا مستقلين في نظام الحكم الذي يشتهونه فهم لا يرضون بغير نظام شيخ
القبيلة، وعندما سأل الريحاني الرجل اليمني عن تعامل اليمنيين مع الأجنبي ردّ
قائلا: "لا يؤذن له لا بالذهاب ولا بالإقامة
وسيكون مصيره الذبح في جميع الأحوال حتى وان كان سوريا وعربيا مثلهم، وإن كان
مسيحيا فهو والفرنج سواء عند أهل اليمن وقد يحميه لسانه أو يصرف النظر عنه"..
ودون أن يغيّر الرجل لهجته الناعمة اللطيفة (والله نذبحه) كأنه يريد بها نضيّفه ونكرم
وفادته.
1.3. أمين الريحاني رائد أدب الرحلة العربي:
يعود
فضل نجاح الريحاني في أدب الرحلة لقراءاته المبكرة، فهي وجهت مساره وكون الاستكشاف
والاستشراق قاعدة شعبية له آنذاك داخل الرابطة وخارجها، وسنجد أن من تلك القراءات قراءة
كتاب قصر الحمراء لواشنطن ايرغينغ، والبطولة الحقة ستجد لها ذرائع الحرية والعدالة
والإنسانية لتسلّق المجد الأدبي على أنقاض المغامرة.. حيث سجل انطباعاته
وملاحظاته عن الشعوب والأماكن التي زارها بلغة أدب الرحلة العتيق والرفيع الذي
يذكرنا بابن بطوطة حتى وإن لم يكن يعرف شيئا عن لغته وأدبه غير اليسير كما يذكُر. وخدمت
إلى حد بعيد مغامراته الخطرة الثقافة العربية والسياسية مثل ما كان يتمنى، فهو بذلك
خير من سعى إلى فهم الحضارة العربية وتقديم صورة واقعية عنها للعالم الغربي،
والعلاقات التي توصف بأنها إنسانية لدول الخليج بالغرب اليوم هي من نتائج ذلك
التقديم. كما نقل كونه مفكرًا
لبنانيًا-أمريكيًا صورة عن مد جسور التواصل الثقافي بين الشرق والغرب، وإذا كان من تأثير شكلته على
أدب الرحلة الأمريكي فيمكن تلخيصه في: نقل صورة دقيقة عن الشرق وعن المجتمعات
العربية والإسلامية، تعزيز الحوار بين الثقافات، ونشر القيم الإنسانية المشتركة،
وتقديم تقديم رؤى جديدة عن الهوية والانتماء كونه مهاجرا في بلد أصوله مهاجرين لا
يعني أبدا التخلف عن تقديم العون للهوية لأنها فضيلة بالنسبة للإنسان الشرقي.
يمكن القول أنّ أمين الريحاني يعد من أبرز
كتاب أـدب الرحلة في العالم العربي، وقد ترك إرثاً أدبياً غنياً، تتميز كتاباته
بعمقها الفكري وجمال أسلوبها كامن في التعمق والتسطح الذي يحدثه اختيار الألفاظ من
مشارب متعددة في سبيل غايات إنسانية، أولها تأمين للأمة العربية مستقبلها وللحضارة
العربية سلامتها. ومكنه ذلك
من إحداث نوع من التغيير المنشود استفادت منه الأجيال اللاحقة، وذلك هو الأديب
النهضوي الذي على شاكلة أمين الريحاني فكر وهاج وفاعلية ثقافية برغم بعد الرحيل.
وفي الختام لا بد من التذكير بوصيته التي نصها عام 1931 ورهانها على الإنسانية
والحرية حيث يقول: أوصيكم إخواني في الإنسانية أن حق الشعب في تقرير مصيره لحق
مقدس فاصبروا بالجهاد في سبيله أينما كان، وأن الأمة الصغيرة وهي على حق أعظم من
الأمة الكبيرة وهي على باطل، وأن الأمة القوية الحرة لا تستحق حريتها وقوتها وما
زال في العالم أمة مستضعفة.
اللقاء بالآخر ليس مجرد معرفة أو تمثيل، بل
هو حدث يُؤسّس لمسؤولية أخلاقية تقع على عاتق الذات ضد شمولية النظام الفكري
المغلق الذي يسعى إلى استيعاب كل شيء واقصاء التفرد الإنساني وتحوّل الآخر إلى
عدو، بينما هو المقابل بوصفه مركز التجربة الأخلاقية نفسها، أخلاق الوعي الإنساني
في غنى عن الميتافيزيقيا، وهنا يتضح أنّ الوعي بالآخر شرقيا كان أو غربيا ليس
مجرّد وعي معرفي، بل هو التزام أخلاقي غير مشروط، يحوّل العلاقة الإنسانية إلى
فضاء مفتوح على العدالة والتضامن.
