تجارب وقراءات في علاقة الحقيقة بالوهم
نوّد في هذه الفسحة أنْ نعطي الانطباع بأنّنا من الآن فصاعدا سنقيس ونحلّل إنتاجاتنا البحثية وفق ما يرتضيه المنهج العلمي الأكاديمي المعترف به وباشتغاله حاليا، أو مُمتدٌ اشتغاله منذ عشرية من الزمن على الأقل إلى الآن، وسنسمها بعناوين محيلة هي الأخرى إلى استحالة الإمساك بمعنى المعنى في غير الدراسات اللغوية، فقط لأن هذه المراوغة مطلوبة وهي لا تمت بصلة لبحث الماجستير (كطروادة ملحمة الإنسانية العظيمة دراسة مقارنة، معنى الوجود في متن ملحمة جلجامش، كيف قرأ نصر حامد أبوزيد ابن عربي أو هكذا تكلّم نصر حامد أبو زيد) فالمعنى المراوغ يمكن أن تبحث عنه أكاديميا أيضا ودون الحاجة لحرية مواقع التواصل الاجتماعي، ولعلّ هذه البحوث ستكون طويلة إذا وَجدَت لها الطريق إلى ذلك، فما معنى أن نبحث في تخصصات لا تقيم أودنا إلا أننا نرغب في كشف حقائق علمية وتاريخية جديدة قد تؤدي سواء كانت نظرية علمية أو إبداعا فنيا واضح المعالم إن كُتب له النجاح؛ إما إلى مجدنا العلمي الأكاديمي أو الإبداعي في ميدان سبق وأن سقناه، أو إلى لا قدر الله إفلاسنا المادي المباغت، وفي كلا الحالتين هي تجارب مريرة نحو قمة مجد حقيقي لكن لا أحد بمقدوره نفي فرضية الوهم عنه.
بالفعل،
وقد كنّا أعطينا الانطباع من قبل بأننا قادرين على قطع السّبخة على حصاننا الأشهب متوهمّين
أنّها متوسطة العُمق بيد أنه في الحقيقة كاد حصاننا أن يغرق في الطين لولا أن غيرنا
الاتجاه واتخذنا طريقا آخر جبليا، وعبر هذا الطريق وجدنا عجبا، وجدنا ناس كثيرون
يكثرون من فعل الشر نهارا جهارا، ولكننا لم نكن هدهد سليمان فالأمر لا يهمّنا،
واكتشفنا أن السّبيل إلى الحقيقة والمعنى يمرّ عبر التجربة والعقل، ولا خطابا غير
الخطاب الذي يجمع بينهما، فهو الأجدر من خطاب كليهما معزولا عن الآخر، ولكن عن أي
معنى وعن أي حقيقة نروم، ونحن كدنا أن نغرق في الطين، فالعلم لم يعد وثوقيا
بالنسبة للإنسان لأن الحواس خدّاعة وهامت وراء المادة الشبح التي تظهر مرة هنا مرة
هناك، ناهيك عن انهيار القيم والأيديولوجيات (في فلسفة المعاصرة/ ما بعد الحداثة)
ما يجعل من المستحيل التمييز بين المعنى واللا معنى وبين الحقيقة والوهم.
لا أبدا، وكيف؟ والبارحة فقط رأى الناس والعلماء في كل مكان انفجارات عظيمة تحدث هنا
وهناك، وكان لدويّها العظيم تأثير جبار في نفوس البشر، وكان صداها المشع أصابهم في
خلاياهم وجعل تفكيرهم يتقهقر ملايين السنين نحو الوراء؛ أصبحوا لا يفكرون، يبحثون
عن هدوء وطمأنينة أنفسهم فقط بالتفكير الأسطوري والخرافي، أين الرّب النار والرّب
الشمس والرب الجليد والرب الرياح والمطر؟ وتشابكوا بالأيدي وظلوا حيارى: من ينقذهم
من نفوسهم الوجلة؟ فوصَلَنا طقسٌ معتدل كنتيجة حتمية
لتشابكهم بعد مئات السنين، ونحن لم نحترق ولم نجمد بسبب هذا الاشتباك على كل حال.
أما الانفجارات فقد حدثت بالفعل وفي كل مكان من الأرض وهي تحدث يوميا، بل ولا أحد
أدرك أمرها كونها تحدث في عالم النانو ميكرو، في حبات الحمص والرز، وفي حبة البيض
وحبة الخوخ، ولا من درى ولا من سمع لأن الناس وخلَفهم مازالوا لم يعوا طبيعة كونهم
أوعى وعيا، وإلى الأن إمّا هم يفسرّوه تفسيرا أسطوريا، أو تفسيرا علميا محضا، وفي
كلا الحالتان التفكير العقلي (لكل سبَب مُسبّب) مُغيّب وهو ليس خاص بالعقل فقط بل
ببنيته النفسية العقلية، وفي إذا كان التفسير العلمي يعتمد على المنهج التجريبي
والكمي والتحقق الميداني لفهم الظواهر الجزئية ووضع قوانين دقيقة، فإن التفكير
العقلي يقوم على التأمل الكلي، النقد المنطقي، وبحث الأسس الميتافيزيقية والقيمية
للوجود دون التقيّد بالتجربة المختبرية، فلكي تعي حقا أنك إنسان لابد عندما تسمع
انفجارات عظيمة لا تتجاهلها بحجّة غير منطقية (وهي انتفاء النجاعة العلمية وورطة
العائق المادي والبيولوجي المتناهي في الصغر) بل تسخّر طاقة التفكير العقلي المركب
للتحري والتقصي والاكتشاف.
إذن وإلى هنا حدثت وتحدث ملايين الانفجارات داخل أدق مكونات الجزيئات العنصرية والعضوية
رطبة وصلبة وهذه حقيقة دامغة، وسمع صوتها الراعد الضخم والهائل عقلنا المتأمل
المحاكي لجوهر الخلق، ولم يسمعها علمنا فلم يُخترع مجهر لحد الساعة يأخذ بيد البشر
مرّتين، مرة عندما سعو إلى ما وراء الطبيعة ومرة عندما سعو إلى ما دونها إلى أن
وقعوا جميعهم حاسرين لكنهك متكاتفتين متحدّين فزادوا قائلين: "هذا لا يحيط به
البشر"، وأضافوا قائلين: كمن تترجّانا أن نعيش في داخل حبّة الفاصوليا لو
تغيرت أحجامنا، وما المانع أن نعيش قرب الشمس بأحجام تصل إلى آلاف الأطنان وأطوال
إلى مئات الكيلو مترات وتحت درجة 5000 فهرنهايت، ليس لكل سبب مسبب في الأيديولوجيا
بل له "قرابة" وفائدة مادية أو معنوية والعلم مجبول أن يَخضع مع منطق
هذا التفكير، لكن العقل كمصدر لهذا العلم من غير الممكن أن تؤمن به مثلما تؤمن
بالله والجنة والنار وأن تضع فيه بعض الإيمان فرضية لتفكير لم تفكر به بعد، بل عقل
لم نعقل به بعد، هو الحجة في أن المادة وكل الأشياء؛ الكون والطبيعة ولدت من عالم
النانو، وعالم النانو اللا متناهي في الصغر لا تصدُق عليه فرضيات التفكير العلمي،
فبات حينئذ أن عظمة الكون في وجوده بهذه الطريقة أي من المادة، إذن الفكر من
المادة والخالق "الاله" هو فكرة (كالفكرة الحرة المتأملة وليس
كالأيديولوجيا) موجود متعلق بها وفقط بها.
لماذا لم يوجد كوكبنا
في درجة حرارة 1000 درجة مئوية؟ ولما ذا لم يوجد في درجة حرارة 1000 ـ دم؟ ها لماذا؟
بل بإمكانه ذلك. أليس عندما نحترق فإن بخار أجسادنا وبخار جميع العضويات هو مَن يشكل
غازات الكون؟ أليس من المحتمل تطور بكتيرية عالقة في غازات أبخرة عضوية وُجدت
قبلنا، وحتمية عيش عوالم قبل التبخر أو التجمد خاضع لناموس الزمن وما أدراك ما
ناموس الزمن؟ فكي نتقبل مفهوم الزمن السرمد لابد من تقبل عقولنا لفكرة أحقاب
التجمد إلى الأبد والتبخر إلى الأبد، فهو لا يجري دون مادة. إن كل هذه التفكير هو
خارج عن منطق تفكير البشر، وسيخرب عقولهم ويؤدي بهم إلى الحيوانية أي إلى الجنون
إن هم حاولوا فمحتوم علينا التفكير تحت قيود التفكير وهي قيود بنيوية مثل الهواء
بالنسبة لرئاتنا حتى نتنفس وفقاعات الأكسجين لرئات الأسماك حتى تتنفس فوظفيتي
التنفس والتفكير قد تكون عشوائية الحدوث لكن نتائجها حتمية (وأنا قد عدت للتو من
وضعية راو/سارد مجهول بطريقة تفكيره إلى وضعية سارد يعي ويفكّر بأساليب وطاقات
البشر) عدت من تأمل عصيٍّ على البشر إدراكه إلى تفكيرٍ اسطوريٍ أو علميٍ أو قل عنه
ما شئت.
ولعل ما يبرهن على أن طريقة تفكير الإنسان حتمية وقد توجد أو وجدت طرائق تفكير أفضل
تطورا ووعيا بالميتافيزيقيا هو عدم التوافق الموجود بين خطاب العاطفة وخطاب العقل/العلم
في الذات الواحدة تجعله يستعين بدل البحث عن التفكير بتفكير جديد بالإيديولوجيا
ولنرجع الى مقالنا السابق "عن أخلاقنا العلمانية والحداثية" الذي توج
بنتائج تصب في المضمار؛ فما الهدف من الدين إذ لم يوفر للمرء هذا الزاد من الحسنات
(الذي ما المانع ان يحمله الانسان معه قبل وفاته) الدين في جميع الأحوال يفيده ولا
يضره في شيء كونه عنوان هذه الأخلاق التي يبسطها فراشا يمشي عليها الضعفاء دون خوف
الانزلاق في متاهة ألغاز صادمة قد لا يجد لها إجابات مقنعة لدهور ودهور، وحتى وإن
كان الإيمان والاعتقاد غير صائب فإن الإنسان يعيش بكرامة ضمن هذه الأخلاق (خاصة
العلاقة مع المرأة وبناء الأسرة) وقد لا توافق نفسيته أو حالته الحضارية إلا إذا
كان في حالة اقتصادية متواضعة (مسكينا أو فقيرا أو من الطبقة المتوسطة، لا الغني
الذي عندما يشك في زوجته أو ابنته يطردهما، وهو قادر على التّبعات المالية) ناهيك
أن قوانين المجتمع الحر المدني غير قوانين المجتمع المتدين، وعلاقاتها تشكل بنية الكون والعالم، ويستطيع
العلم والغنى أن يدفع بقوانين المجتمع الدينية وأخلاقه ويغيرها مع ما يتماشى مع قوانين
المجتمع المدني، والتبشير بالجنة المبالغ فيه هو لتحسين الأخلاق داخل المجتمع والمحافظة
عليها لمّا يغيب العلم والثراء.
ثم إنّ هذا الإنسان جُبل على البحث في ذاته عما يرضيه ويُطمئنه، لا بل ما يجعله
يعيش سعيدا ولن يجد ما يُطمئنه إلا في السياسة والدين (أي إلا في الأيديولوجيا) أي
نعم؛ فإن هذا الإنسان خلق ضعيفا لابد له من حماية تتخذ من طقس الدين رمز
وأيديولوجيا مشتركة تحمي الافراد من أنفسهم وشهواتهم (بطمأنتها وكبحها وليس
تنظيمها كما يعتقدون) وتحمي الجماعة من أي قوة أخرى تفكر في النيل منهم، وكم هم
أقوياء هؤلاء الآخرون غير الدينيون، فهم ليسوا بحاجة إلى الطّقس والشعيرة والشريعة
والفقه وهلم جر من المصطلحات التي تقيّدهم في رضًى نفسي واجتماعي مع الزمن تحول
إلى لا وعي جعل أصحابه الدينيون مقابلا طبيعيا لوعي اللا دينيون، واللا ديني إنسان
قوي ولكنه ليس كالجاحد لوجود الرّب والإله ( أي ما يطلق عليه المتدينون كافرا وهو
اسم خاطئ لا ينطبق على المفهوم) وهو شخص نادر في المجتمعات العربية (حسب درجة
تحضرها السياسي والثقافي) ربما تجد في حي بأكمله لا ديني واحد أو اثنين، وإن
لهؤلاء نفس إله الدينيين لكنهم لا يجدون رضى في أنفسهم بممارسة الأيديولوجيا بل
يجيدونه بالتحرّر منها، وهذا لطبيعة شخصياتهم (نفسية عقلية) فهم بها أقوياء كفاية
عملهم وصدق نواياهم هي أخلاقهم التي تنير لهم درب الله في أنفسهم وتضيء لهم حياة
نفسية متوازنة، أي أن أعمالهم مهما كان نوعها تصلهم وتربطهم به بقوة لأنها تمرّ
عبر التجربة المادية وتبعدهم عن جاهزية الفكرة.
أما السياسة فمنذ وجودِه على وجه الأرض احتمى الإنسان بها نفسيا واجتماعيا أيضا، لذا
ترى اليوم اللا دينيين وما أقلهم ليسوا بحاجة إلى من يسوسهم بسياسة المستبد أو
سياسة العصا والجزرة، ومن يجد هذه القابلية في شعبه فيوازن بين الأصوليين
والراديكاليين وبين الديمقراطيين غير المستأثر بالسلطة، فلا أحد غيره يصل إليها
ولا أحد غيره يبقى فيها، ويبقى عيب الديمقراطيين العرب في منح ديمقراطيتهم
المشكوكة صكا على بياض للسلطة، وهذه ليست قابلية للاستبداد السلطوي بل مشاركة في
تبلورها دون وعي كما يقول ميشيل فوكو فيبقوا خاضعين لها تمام الخضوع
عبر مؤسسات المراقبة والانضباط كالمستشفيات والمدارس والسجون والأحزاب، كون أن جل الأحزاب الديمقراطية تنام
على أنساق مضمرة وتناقضات ثقافية شتى مع مجتمعاتها، بمعنى أن الديمقراطية لديهم لابد
وأن تعني التحلل والتفسخ الاخلاقي كفرق لا دينية (وهو تحلل ظاهر وليس باطن) ونحن لسنا
من هذا النوع، ولعمري هذا ما يجعل الحاكم العربي يبعدهم عن الحكم صنو المتطرفين
الأصوليين المقابلين لهم لأن كليهما في الهوى سوى كما يقول المصريون برغم أفكارهم
النيرة، لأن هؤلاء أعطو الدليل للشعب أن الحكام ينزعون إلى الاعتدال والسوية
العقلية أو قل الوسطية علما وأخلاقا وعملا لأن كلا الطرفين لو يصلون للحكم يثيرون
مقابلهم فيختلط الحبال بالنابل.
وعندما أقول أنّ أغلب
الديمقراطيين العرب (من غير لبنان) ديمقراطيون مزيّفون إذ تتغلب أولوية التبجح بقيم
الحرية والعدالة والعقلانية عن أولوية صدق الضمير الأخلاقي وإخلاصه فأنا أعي ما أقول،
وهذه الحقيقة تعرفت عليها شخصيا ومن تجربتي اللا دينية، فهل أنا محق أم واهم؟ بل
أخشى أني محق إلى حد بعيد لأن اللا ديني معتدل بالفطرة، لا هو يساري ولا هو يميني،
حزبه صدقٌ ونقاءٌ في الضمير وإخلاص في العمل، ويخاف ربّه دون رقيب.. والصراع
الجاري بين العلم والدين في المجتمعات غير العلمانية يذهب ضحيته العلم بأن يُحجر
عليه في زاوية بعيدة كل البعد عن العقلانية، أي يُعمل به لمصلحة الأيديولوجية، فوجود
العقلانية مرتبط أساسا بوجود الحرية، أما العلم الذي ولي أمره المتدين يلتبس
بالبيروقراطية (ثواب المتدين في الآخرة وليس في الدنيا وهو في الدنيا ليس بأفضل من
العلماني بتقاه ولكن بعقله فقط) والحل هو في المنطق العلمي والعقلانية.
والحقيقة التي اشتغلت وتشتغل عليها مراكز بحث
كبرى ذات الصلة في العالم الغربي هي بناء نموذج ديمقراطي يسمح بتفاعل الدين والعقل
في إطار تعددي يحترم الاختلافات ويعترف بقيمة التنوع. ولم نشَأْ تطويلا لمقالنا
السابق وتنهيجه بالمنهج العلمي على غرار المقالات العلمية، لذا تخَطَّيْنا أن نذكر
فيه هذه الإشكالية الرئيسية في الأخلاق واللا أخلاق بين الدين والعلمانية، ففي
معرض حديث المسيري عن تحويره لمعنى العلمانية (التي هي شقيقة الديموقراطية والعقد الاجتماعي والليبرالية في
المجتمعات الغربية: انظر "الديمقراطية" لمراد وهبة) ضرب مثال القط والفأر (توم وجيري) وكأنه يصر على ضرورة مشاهدة
المتدين لثواب عمله في الدنيا قبل الآخرة باديا في هذه السلسلة (علمانية جزئية
وديمقراطية مزيفة) على أن الإنسانية جمعاء أثنت على السلسلة التي علّمت أبناءها
قيم السلام والتسامح وقبول الآخر عقودا من الزمن ولا زالت، فقيم الحرية والعدالة
والعقلانية لا تلقى صوب عرض الحائط في حضور المصلي المزده بتُقاه وإنما توضع في
ميزان حسنات المرء أيضا.
إن
خطاب العاطفة وخطاب الدين متلازمان في مناهج الدولة المتخلفة الواحدة التربوية
والإعلامية والثقافية، وهناك هابيتوس وترحيب واسع من لدن منتسبي هذه المؤسسات
بالسلطة ومعرفتها المختارة بدقة لتناسب سياسة الدولة (نقصد أيديولوجيا الدولة)
بلى،
فهي تعلّم أبناءها مدّة تربو عن 12 عشر عاما قيّم المجتمع الديني وترفع في القطاع شعار
خطاب العلم شكلا أو كليشي لترضي الحداثيين بأنّى نُطبّق برنامجا تحديثيا والشعبوية
السائدة المحافظة راضية به متمثلة في جمعية أولياء التلاميذ، لأنه يعكس قيّمها
الأيديولوجية فتخدع نفسها وأبناءها. وخلاصة القول هي أن إنسان هذه المجتمعات
تطوّره أو تحضّره كامن في الانتقال من التفكير الأسطوري أي استعمال الأسطورة في
تبرير الله والمعنى لحياته إلى التفكير الأخلاقي ليعطي لوجوده معنى ولنفسه طمأنينة
إلى حين، وبرغم أنه لا يمكن للإنسان أن يفر من الأخلاق الدينية لأنها تريح خواطره
النازعة إلى الشك في عالم لا يُعرف أو لا يستساغ عيشا إلا بالشك والمتناقضات، وهنا
وجب الانعطاف نحو
الفلسفة الألمانية سواء الإرث الكانطي بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية، أو
مدرسة فرانكفورت المنتقدة للعقل الأداتي الذي قاد الإنسان إلى نهايته الحتمية
المؤلمة، غير أن وعي يورغن هابرماس الحداثي بأن وراء العقل الأداتي كيان نفسي
اجتماعي يشعره بالتوازن، وبإرادة البحث عن المعنى من وجودِه قلب الطاولة على
التفكيكيين اللا دينيين (كممثلين لقوة رأس المال الثقافي) المُفكّكين لفرط إشباع
المجتمع الاستهلاكي وبداءة المجتمع الديني على حد السّواء رأسا على عقب لإيجاد
مشترك أخلاقي إنساني مُنجٍ من مخالب التفسخ والتعصب، قد يكون هو الدين عندما يقبل
التطور وفق هذا المنظور العقلاني، كونه غريزة متوارثة في الإنسان عن طريق جين
(مورثة في ADN) اكتشفها العلماء مؤخرا وهي المسؤولة عن الدافعية للبحث والاكتشاف
لِما يرضي النّفس ويُثبِت المعنى في حياة الإنسانية، لذاك من الناحية العلمية لا
يوجد ما يسميه المتديّنون وخاصة المسلمون إلحادا خاصة مع انتهاج التفكير الحداثي
قيم خطاب التواصل والحوار.
