حقا،
كانوا كأرباب عمل ينامون على طُبول وينهضون على ﺃعمدة كهربية، كما مثلتهم ﺃفلام
السّينما، ألا تتذكر سلوكهم مع الناس ومعنا كأنهم بإزاء الرقيق أو الڨارسونات
الخاصة؟
ــ بلى أتذكر جيدا، ﺃتذكر ﺃني ﺃردفتُ طلبا من
الطلبات ٳلى ﺃحدهم أقول فيه: « طِبتم
وطاب مسعاكم سيدي المدير... ﺃمّا بعد ﺃوّد سيدي المحترم أن انفض الغبار عن بعض ما تشمع
لي من ديبلومات بأدراج مكتبي لكن بما يخدُم مؤسستكم الإعلامية الموقرة... لا
تقلقوا ٳنها كلها تصُب في بحر الإعلام
ولصاحبها الخبرة في كتابة التقارير الصحفية العاجلة بما قد يذهلكم؛ فهو قد يحقق سبقاﹰ
صحفياﹰ دون ﺃن يحرك ساكناﹰ! ومستعد للتّحرير مع كل استغراق لذاكرته في تاريخ عمر
طويل انقضى تقريبا كزمن "بدل ضائع" تعوّد ﺃن يسترق منه روعة ما فقدها
لكن هيهات، فها هو يتهاوى ويتشاكى فقط في انتظار رد مِن الردود على طلباته؛ فقد
ذوّبت منه الشحم ونقّت منه العظم تلك السنون، وتركته واهنا لا يدري ﺃين ﺃو ﺃين
يُخبئ هامته المتكسّرة.
سيدي
الكريم.. لقد رﺃيتُه باﻷمس يجر ﺃذيال الخيبة لا يدري ﺃين يمضي. رﺃيتهُ أجل رﺃيتُه
و هو يغادر مسكنهُ القصي آتياﹰ على كل درب كالشريد، متلحفاﹰ ردائه كالشهيد، تطارده
ﺃضغاث ﺃحلامه كالبليد، مُطلاﹰ على المتنزّه وعلى الشارع الرئيسي، مُعرّجاﹰ فيه على
الشارع الا᷃خر وعلى اﻠ "الاستاد"
الدولي متأملاﹰ الساحات الخضراء، واللاﱠفتات المزروعة في كل رُكن: صور للرئيس،
مشاريع فلان وعلاّن للتعمير، وميترو الأحلام وسوق الأحلام ومشروع الإخوة خلاّن
للتلحيم وصور الحلويات.. ماذا؟.. نعم ..، ماذا؟ صور حلويات!... ستكون هي ربما هي...
ﺃجل هي، لعلّي وجدتها سيّدي المدير، عفوا سيدي، سأوافيكم سيادتكم عمّا قريب فإلى
اللقاء » ﺃﺃكون قد وجدتها ﺃخيراﹰ..؟ بلى.. أخشى أني قد وجدتها وإلى غير رجعة وجدتها..
ٳنها الزززلالالابــيـــــة.
سأفتح
متجراﹰ لصنع وبيع الزلابية، لا عجب في أن تكون التجارة الموسمية هي التي تسببت في انتفاخ
بطون كثير من المتطفلين على حقل الإعلام، تجارا كانوا لكنهم فجأة ﺃطلقوا على ﺃنفسهم
اسم "ٳعلاميين"! بعد ﺃن تخلوا
عن بيع البطيخ والدلاع صيفاﹰ والدقلة شتاءً ليرتقوا بهم سُلّم "العمل الإعلامي"
مُطوّرين من لُغاتهم، ﺃقصد لهجاتهم، بل ٳني
ﺃعني دارجاتهم..، ﺃوووف كلا بل عاميتهم العملية، كلا؟!.. لا ﺃدري ما تكون لُغتهم تلك
التي تحولوا بها ٳلى صانعي
قنوات ٳخبارية لها دريئتها التي لا
تسلم من تحرشاتهم أبدا.
نفسي هي التي كانت دوما تدنيني من الزلابية فهل هي التي
ستنتشلني من براثن الحاجة؟ ﺃم ﺃنها مجرد خواطر بال تحدثني بها؟ أهي التي سأطرُق
بها ﺃبواب المال والشهرة قاطعا بها دابر اليأس والبؤس بدئاﹰ من زيارة بيت ﺃبي،
البيت الذي يقع على مشارف الزمن هناك على حافة الجرف الشمالي، لطلب جزء من ﺃجرته
لبناء المتجر المأمول؟
"ــ
تبيع زلابية !.. هذا ما بقيلك*،
ورايح تنجح في مشروع كيما هذا؟ "
"ــ
وعلاش ما ننجحش يا بوي، كل
الظروف مواتية ﺃنا في حاجة لقليل من الجرأة فقط."
حينها مد الأب يده ٳلى
محفظته ثم قال: " ــ هاك واذهب من قدامي ولا تعد ٳلاﱠ
ومعك السداد و بعض من زلابيتك هذه."
فعدت
بالمبلغ ٳلى بيتي الواقع إلى ﺃقصى المدينة
وﺃشتريت لتوي باباﹰ ونافذة ومواد بناء لأبني المتجر الملحق به، وفي ﺃقل من يومين كنت
قد حضّرت المقلاة والطحين والزّيت والعسل والسمن والأفران والميزان، وحتى الصينية التي
ﺃغطس فيها الزلابية بعد ﺃن أملأها عسلاﹰ.
كل
شيء كان يسير كما خُطط له، وحتى لا تفُتني ﺃيام رمضان انتهزت السهرة الرمضانية لإفضاء
البعد الجمالي على المتجر؛ حيث قمت بدهن خارجي له وإعطاء ديكور داخلي جذاب له؛ إنه
مكسب وأي مكسب ذاك المال الذي سيدرونه في خزائني، لذلكُم تفنّنت في مُحاولة جذبهم جذباﹰ
إلى زلابيتي، وجعلهم يطلبون الكيلوات بدل الأرطال.. ثم انتظرت بفارغ الصبر كي ﺃعب
الزيت أخيرا.
آه،
وكم كان شوقي ٳلى ذلك اليوم الجديد الذي انتظرته
طويلاﹰ يزداد؛ ٳنه لحسن حظي يوم مشمس؛ اليوم
الذي ﺃعُد فيه ﺃرباحي نقداﹰ، وﺃقتات كما يقتات الرجال من عرق جبينهم مُنتقماﹰ من
مؤامرة ﺃصحاب البطون المنتفخة والرّقاب الغليظة خير انتقام؛ فقد كانوا خسيسو عصرهم
ومازالوا، ﺃجل، ومثقفوا المادة، لديهم هواجس الأميين والأعراب من ﺃن يُسحب البساط من
تحت ﺃقدامهم يوماﹰ فتنكشف عوراتهم المهنية لغوية كانت أو تقنية، لقد تركتهم بالأمس
يقولون: " نحن لدينا في الجزيرة الصحفي الفلاني وفي قناة العربية الإعلامي العلاني؛
فنحن الأفضل عربيا على الإطلاق! وألفيتهم ﺃبدا و دوما يقولون حتى باتوا هم الأسوأ،
نايمين في أحلام يقظتهم ولا هم داريين! لأنهم بانزوائهم في مرابضهم تلك لم يعثُروا
على من يوقظهم من أحلامهم الباطلة تلك؛ بل و كأنهم هم ﺃشباه الصحفيين أو
"صئبان الصحافة" من ذوي القرزي [1]الخشن
والثغر الأملد الذين تحدث عنهم الطاهر وطار؛ فالمنصب، المال العام، الاستحقاقات..
كلها ﺃصبحت ﺃضغاث ﺃحلام تؤرق حياتهم وتشنُقهم في أوكارهم ٳن
هُم تحرّكوا يمنة ﺃو شملةﹰ. ﺃجل، وسيكون يومي هذا المُفعم بالجِد والحركة.. والربح
خير انتقام من هؤلاء وهؤلاء، سأصل ٳلى القمة
ولا شك، عندما يُسارع من هو مثلهم بطلب خدماتي مقدراﹰ النظارات للّوكس والبدلة الله
الله والسيجارة الفوكس التي ﺃدخنها كعادتهم.
لمّا ﺃدركت
يومي المشهود هذا مبكراﹰ كان الخلق قد مازال يغط في نومهم العميق. تذكّرت عندما
بدﺃت خلط الطحين مئزر سنوات الدراسة، فعدت القهقرة لأبحث عنه فوجدتُه مازال صالحاﹰ
للاستعمال. ولتوي وضعت المقلاة وألقيت العجين فيها، من كيس مثقوب ضغطت عليه
بتُؤددة متلهفاﹰ لرؤية زلابيتى في هيأة ﺃسلاك متشابكة، بيد ﺃن كل شيء لم يجري على
ما يُرام، فقد ساحت ﺃصابع الزلابية في الزيت ولم تشأ التماسك، كرّرت المحاولة تلو
الأخرى، ثم جففت العجينة غير ﺃن كل محاولاتي بائت بالفشل وذهبت ﺃحلامي المنسابة
كشلال هادر في رؤية زلابيتي وما ستجلبُه لي من ﺃرباح كلها ﺃدراج الرياح، حينها
ﺃيقنت أنه لا بد من معاودة صانع الزلابية كي ﺃستقي منه سر هذه المصيبة التي ندعوها
ﺑالزلابية.
فعلا، ما هي إلاّ لحظات حتى وجدتُني
أمام محل لبيع الزلابية:
"ـــ ﺃهلا
الشيخ واش تورِّيلي كيفاش تصنع زلابية واللاّ؟ محسوبــ..
ولم
يتريث البائع في مقاطعتي بغلظة مفهومة: ـــ
" ﺃحنا
ما نقولوش لسرار. وزيد بزيادة ﺃهدر مع المعلم، راه
راقد على السِّتة يكون هنا. الله غالب هكذا وصّانا المعلم"
عندها
انسحبت وجلاﹰ لأطرق صانعاﹰ آخر، ومن حيث لا يراني أخذت في التجسس عليه حتى حفظت جميع
حركاته وخلطاته عندها قصدته سائلاﹰ:
"
ـــ بالله عليك يا صانع الزلابية ما
تخبرنيش واش زدتو لهاذ زلابية حتى حكمت روحها مليح هكذا؟"
فرد الصانع قائلا: "ـــ ﺃواه
ما نقدرش يا خوية هذا سر الحرفة
"
فرددت
عليه قائلا: "ــ كيفاش
راني كل
ما ترجيت واحد فيكم يعلمني حرفتي الجديدة ٳلاﱠ
ورفض! ما العمل الا᷃ن، قولي
يرحم باباك..؟"
"ــ يا خو
كاين دياول التكوين روح ليهم يعلموك، الله
غالب". عندها انصرفت مخاطباﹰ نفسي
"ــ ها! ماذا؟ التكوين! هذا
ما خصْني. ﺃكون ضيّعت خمس ﺃيام من الرّبح وﺃنت تقول التكوين ومن ﺃين لي
بالمال؟ ثم ﺃن رمضان سينقضي ولن يكون للزلابية ﺃي معنى. على كل حال سأتلصص على
تجار الزلابية مهما كلفني ذلك من ثمن حتى ﺃستقي منهم سر صنع الزلابية فالأدخل
اللحظة إلى ذلك الطابور ﺃمام متجر تونسي لصنع وبيع الزلابية على الهواء الطلق،
والأنظُر والأسترق واﻷنتهز الفرصة وﺃتفرس فيه وهو يُخلط العجينة ويُهيّئها في خفّة
ثم يرمي بها في المِقلاة لعلي ﺃتعرف على تلك المادة السرية التي ٳذا
ﺃضافوها ٳلى زلابيتهم تماسكت ﺃصابعها
في الزيت وخرجت في شكل عود زلابية وليس سبخة زلابية كما حدث معي. تلك المادة التي ﺃضافت
ٳلى زلابيتهم رونقاﹰ.. وشهية؛ فهي مثل
عجينتي تماماﹰ وعسلها المُتقاطر ذو النّكهة الشّذية مثل عسلي.
وفي
غمرة من تلك الحيرة والقلق المستبدين بي تفاجأت بأحدهم يدفعُني من الخلف وهو
يدحُر:
" ــ تقدم ياخويا ولاﱠ
خلّينا نتقدموا"
فخرجت لتوي من الطبور متظاهرا ﺃني فقدت شيئاﹰ ومتراجعاﹰ ٳلى
الخلف بيد ﺃن الصانع شعر بي فخاطب زبائنه بلهجة تونسية: " ــ خلُوا
بالكم يا لوخيان راه كاين شي ناس يضربوا لجيوب. خلُوا بالكم" عندها
شعرت كمن يشعر بوجنتاه وهما تحتمران كحبتي طماطم؛ فلو ﺃن الأرض انشقت حينئذ وبلعتني
كان ﺃسلم لي من هذا الافتراء،
الذي ﺃلفيته افتراءً خبيثا يشبه افتراء الهمج على الأسياد والطغمة على ﺃحرار اﻹنسانية
في تاريخها الطويل، بيد ﺃنه كان لا مناص لي من التجلد متذكراﹰ ﺃن كرامتي الحقة في
معرفة سر صنع الزلابية لا غير، ثم فالتذهب افتراءات هذا الزلبياتي في ستين داهية.
استأنفت الحملقة وأطلقت العنان لها مرة بعد ﺃخرى
حتى ﺃعيتني الحيلة ولم ﺃظفر قط بالسر فرجعت الهوينة إلى المنزل طالباﹰ الراحة وقد
ﺃهلكني العطش وأضناني طول الوقوف، بيد ﺃن إصراري على الوثوب والمحاولة من جديد مع هذه
الملعونة الزلابية ما لبث ﺃن اشتعل وتوهج بمجرد وصولي البيت.
ما
عساني ﺃن ﺃفعل في وحدتي هاته سوى ﺃن ﺃتماسك وﺃطرد نحس اليأس في ﺃيام السادس
والسابع من رمضان بُغية الوصول ٳلى الهدف.
وﺃداوم لتأمل ملِي ﻷجل بلوغ السّر، قبل ﺃن ينقضي الشهر، ولكنها تخامرني فكرة البؤس
العظيمة التي تخامر عادة التعساء من ﺃمثالي، ٳنه
لتجرُّع متصل للمهانة وشعور مرير بالضعف و قلّة الحيلة، ولَكَم ندبت حظيّ التّعس لمَّا
بدﺃ العجين يفسد، مدركاﹰ من يومها رجلاﹰ آخر طلع فجأةﹰ في طي الألم الليلي، من ذاتي
العميقة، ﺃلفيتُه ﺃنا بجبروته ودهائه الذي كان دائماﹰ حريصاﹰ على تفوقي، فرُحنا من
صباحنا هو وأنا شخصا واحدا، صلداﹰ وجلداﹰ لنتفقد ﺃحد ﺃصدقاء الدراسة لعلّه يَهدينا
ٳلى الخبر اليقين، بيد ﺃنه لا يقين
في الأفق؛ لا ﺃحدَ منهم استطاع فك شفرة الزلابية، فاقترحنا على ﺃكلَفِهم كراء
المتجر للمتاجرة في الزلابية شراءاﹰ وبيعاﹰ فوافق.
ﺃما
ﺃنا فقد عقدت العزم ﺃن لا ﺃلج الدار ٳلاﱠ
مثلما يلِجُها ﺃصحابها، تكريساﹰ "للعدالة الاجتماعية" و"لحرية التعبير"
فمن سيمنعني؟ ﺃجل، فقد جَهدتُ لما ﺃعضلني المسير ولم تُغنني الفكرة تلو اﻷخرى على
سبيل ﺃفضل من سبيل ﺃصحاب البطون المنتفخة والرقاب الغليظة في ارتقاء سُلّم المجد الإعلامي..
والحق الحق ﺃنّي ما لبثت ﺃن انزويت ٳلى
مرامي الريف الفسيحة، و مضاربَهُ
القصيّة الشذيّة ﺃرقُب فيها ذاتي في ملكوتها الصامت ٳلى
ﺃن وصلني مكتوب يقول فيه صاحبه: « نُهنّئك
سيّدنا الفاضل على ذا الجود والكرم، وعلى ذا السّخاء والموهبة التي تشبه مواهب
المبدعين وخيرة ما نملك من ﺃقلام صحفية! ﺃنتم الذين ﺃسديتم المعروف بعملكم
التضامني طيلة الشهر الفضيل فطوبا لكم؛ بِعتُم حلوتكم الشهية بثمن رمزي من ﺃجل ﺃن
تفرحوا ﺃبناءنا وبناتنا... ٳنّنا اليوم
ندعوكم للحضور ٳلى مقر ٳذاعة
البركة لتكريمِكم بوظيفة الحلواتي الخاص لإذاعة البركة، فبارك الله في عملكم و السلام
عليكم«.
" ــ آخ، بكم يكون باع الكيلو من الزلابية ذلك المفلس؟
لا شك وﺃنه كان يبيع بالخسارة وﺃنا لا ﺃدري" هاتفتُه
في الحين فتململ وراح متأتئاﹰ: " ــ لم ﺃجد بداﹰ من البيع بنصف ثمن الشراء،
وقد ربحت لأني استعدت مال الكراء على كل حال! ربّما تكون عزلة المتجر هي سبب ما
حصل؛ ٳنهم تدافعوا على زلابيتي كما
تتدافع جيوش من النمل على ﺃصبع زلابية"
ــ ٳذن ﺃهنئك
على الوظيفة يا صاحبي؛ ٳن ما حصل
لهو حقا سر المهنة.
ــ انْعام، هيه بالصح! هاو!.. بلاك!.. إيه هو سواسوا سر الصحافة... يعني سر الزلابية..
