عن أخلاقنا العَلمانية والحداثية مرّة أخرى

 


بوزيان بغلول

                                          عن أخلاقنا العَلمانية والحداثية مرّة أخرى

 

             

        كنّا ولا نزال نهفُو إلى قيّم الحرية والعدالة والتفكير القويم المنسجم مع خطاب العقل، وكان يحزّ في أنفسنا (كمثقفين) أن يظل العرب والمسلمين يقابلون بين الدين واللا دين وبين التقليد والحداثة وبين الكهنوتية والعلمانية مقابلةَ الأخلاق واللا أخلاق، حتى وأنّه في عصرنا الرقمي تبدّد إلى حد ما القلق حول ما يدعُونه تحلّلا وفسقا طالعا من مواقع الانترنت، لأن هذه المواقع كاليوتيوب والانستغرام والتيك توك تراجعت نوعا ما أمام بزوغ نجم الذكاء الاصطناعي الأكثر التزاما بقيّم أخلاقية عالمية مشتركة.

     وفي السياق، الموضوع خِصب منتج للنقاش الثري بالأفكار المتداخلة بين عدة حقول معرفية منها دراسة بنى الثقافة وتحليلها، وعلى غرار مقال جديرٌ ذكرُه وقد بقي عالقا بالذاكرة موسوم "بأخلاق كوكبية العلمانية الرشيدة" لأحمد أبو زيد، ما زال السؤال المثير للنقاش هو: هل أخلاق العلمانية أخلاق دنيئة ومتحلّلة مبنية على الخداع والمكر كما يدعي المتدينون؟ ولكن ما علاقتها بالحداثة التي نعلم أنها جلبت الخير لهؤلاء المدّعون الرّابضون في وضعية حداثة منتكسة coincé؟ وعشرية بعد أخرى تقفز المجتمعات المدنية الغربية نحو تطور مذهل في أنماطهم السلوكية المتعلقة بالأخلاق والثقافة مأكلا وملبسا وترفيها وتواصلا، وكلما أوجدوها مسايرةً لتسارعات العصر زادوا سموا روحيا (ولعمري ذلك هو معنى الحداثة الحق المتجاوز للتراث والتاريخ بالجديد في كل عصر حتى في عصر ما بعد الحداثة، فعلامات التخريب هي ختم الأصالة الخاص بالحداثة حسب أدورنو به تنفي الأطر المعيارية) في حين ظل غيرهم إمّا في صراع مرير بين ساداتهم وقطيعهم، وإمّا في ترغيب وترهيب سعيا نحو نفس السمّو.

    إنّ ما ينقض الادّعاء هو ليس مفهوم العَلمانية (فصل الدين عن الدولة والشؤون السياسية) وإنّما السلوك الأخلاقي الطبقي المُضمَر (علاماته النسقية: اللامساواة، الجاه والنفوذ، وولاء المصلحة ومظاهر الفساد بشكل عام) وقد تجد أحدهم يقول لك أنا عَلماني 300 % ، لماذا؟ يقول أنّ اعتناقه القطعي الذي وصل إلى هذا الحد جاء كمحصّلة تجارب وسلوكيات خَبِرها وهدفُها رصد عدم التدين بحرية وقمعه بوسائل لا أخلاقية، حيث اقتناعه بالـ 100 % الثانية جاءه نتيجة الظلم والقهر الموجود في المجتمع الديني الذي يُمَارِس على الضعفاء سلطة خفية مهيمنة تقودهم لتبرير أخلاقه التي ترغّبهم في الثواب الأخروي والثمرات الدنيوية، وهم مُجبرين غير مُّخيرين على ذلك، أما المئة بالمئة الثالثة اقتنع بها نتيجة تخفي الأقوياء الماكر والحيلي، وجلّهم من الموظفين الكبار والإداريين المرموقين ورجال الأعمال بتلك السلطة المجتمعية الخفية (طبقية تراتبية خفية) وتحت غطاء الدين، بل وقوفهم في وجه المحاولات الجمعوية وحتى الفردية المعزولة (الساعية إلى تغيير الذهنيات لإحلال مجتمعا مدنيا) بحساسية هاجسية حتى لا نقول بمكر وخبث، توظف الوازع الديني وتصطنع تشويها وتدنيسا للقيم العلمانية وهي قيم نسبية وظاهرة جلية.

     كما هي الديمقراطية والهوية نتيجة طويلة من الصراعات والصدامات الاجتماعية لا تُكتسب إلا من خلال التجربة والخبرة، ولا تولد مع الإنسان أبدا كذلك هو بناء الأخلاق، وكلما حاول الفرد التّمكين لأخلاق خاصة وفق منظوره وتصوّره الذاتي (مُعطيات أخلاقية متمرّدة مثلا) فشل بغض النّظر عن طبيعة هذا المجتمع مدني أم ديني، ما لم يكن عضوا فاعلا داخل الجماعة، ففي جميع الأحوال تغيير سلوكيات أخلاقية مرتبط بتغيير سلوكيات اجتماعية، وتأثير وتأثر، خبرات وتجارب تؤدي الى تغلغل القوانين الأخلاقية وعملها، وما يعتبر أخلاقا ضمن سياق حضاري ما قد لا يبدو كذلك في سباق آخر، والنموذج الأوضح احتشام المرأة المسلمة بتغطية صدرها بالكامل، واحتشام المرأة الغربية الجزئي مكتفية بحمّالة الصدر، أما نساء قبائل الأمازون فلا يرتدين شيئا، ولا يقال أنهن غير محتشمن عندئذ، لأنه جرت العادة بهن، فلا داع أصلا لتغطيته والرأس مثل الصدر عندهن، وما يظهر أنه قمّة الشرف لدى الرجل العربي مثلا يعتبر قمعا في الحضارات الأخرى، حيث الإنكا شعب يتشرف بتسليم بناته هدايا للنبلاء.. فتبدو أخلاق الأيديولوجيا ذليلة لأن هاجسها الشرف، والشرف وخطابه أوهام فكر عالق في الرؤوس، ولم تتجسد على أرض الواقع حتى تأتيها الإنسانية جمعاء، أي ناجم عن سوءُ تصرُف في قضايا الجسد، التصرف الذي لابد منه لأنه جزء من البنية النفسية والعقلية للإنسان.

    فلندَع الإنكا لننظُر في مَن هي الشعوب الأكثر إصابة في شرفها لدرجة يحمل همّها بعض الأعوان والأفراد الكلِفِين وبسلوك هاجسي اتجاه المرأة والمثليين ينم عن إصابتهم بعدم الشرف، نخشى أننا لن نجدها أبدا، كل الإنسانية غير مهانة في شرفها بما فيها العرب، والغرب الذي يقول العرب أن الإباحية تستنزفه هو غير مهان في أخلاقه، لأن الحداثة تفرّق بين حرية الفرد وحرية المجتمع، المجتمع يستطيع أن يقول لا للاستبداد عن طريق صندوق الديمقراطية ولكنه لا يستطيع أن يقول لا للإباحية، فالوجود في الوجودية ليس تصريفا أو تفريغا لرغبات الأفراد إلا بالقدر الذي يعرِف من خلالها مسؤولياته كجزء من نظام كوني شامل، وهناك مِن العبثيين الوجوديين مَن يدرك ذلك ويؤمن به، وهنا يتحايل العقاد حينما يقول: "والوجودية في حقيقتها هي عده مذاهب لا مذهب واحد ولذلك يوجد أمامنا الفيلسوف الوجودي المؤمن بالله بل المؤمن بمذهب من مذاهب الدين ويوجد الفيلسوف الوجودي الملحد الذي ينكر وجود الله وينكر كل القيم الغيبية.." لا يوجد العبث من أجل العبث، وهو لا يعني "الفوضى العشوائية" أو الهدم، لأن رغبة الإنسان ملحة في البحث عن معنى لحياته، ولولا أنّه فشل لمّا اتجه للفسق (على حد تعبير الدينيين)، وثنائية العدم والرغبة تطرح أن هناك "قوى خفية" (قد تكون الطبيعة، أو الكون، أو قوى ميتافيزيقية) أوجدت هذا النظام أو اللا معنى، وهذا ليس إلحادا صريحا ينفي وجود أي قوة مدبِرة خلف الوجود.

     ثم يتحايل العقاد مرة أخرى حينما يقول: "ويوجد من يتزمّت غاية التّزمت في أخلاقه ولا يخالف الجادة المثلى في الأخلاق العليا الدّينية.." لا توجد أخلاق مثلى لأن الأخلاق يصنعها البشر وهي متغيرة حسب حاجياتهم، أي للتجربة الحياتية دخل في حرية الاختراع (الفرد يخلق قيّمه ويتحمل نتيجته كاملا) فتحقيق الحرية المطلقة والالتزام بقضايا العصر مبرّر يخدم تحرر الشعوب وتغيير التاريخ، الفرد مسؤول ليس عن نفسه فقط، بل عن البشرية جمعاء، والهروب من هذه المسؤولية يسمّيه سارتر الوعي الزائف (وهو منظومة جبرية جاهزة منها الأخلاق الدينية العليا) ومن يمتلكون أخلاقا عُليا اليوم هم الغربيون لأنهم يحترمون الآخر المختلف ويعطونه كامل حريته، بالرغم أن من فيه من يرى في قتل الآخر المختلف جهادا (إرهابي) لذلك فإن الثقافة الغربية هي أرقى ثقافة كونية وتدْرُس الثقافات الدنيا (بالعيش وسطها مدة من الزمن) وتحكم عليها كما فعل المستشرقون بل تُدَرّسها لمن شاء. ولأن المعرفة العرفية في الثقافات الدنيا طاغية فأن صناعة التّخلف مستمرة وتمضي في حلقة مغلقة، بتصنيف هذه المعرفة بمعية السلطة الناقدين للوضع كفارا ومجانين حسب فوكو.

     إن الإسلام المعاصر تشكّل تاريخيا وثقافيا داخل شروط حضارية معقّدة، فالإسلام حتى حين رفض الحداثة، ظل ابنًا لها بطريقة أو أخرى تحت مسميات: إما علمانية جزئية أو ازدواجية ثقافية أو الأصالة والمعاصرة أو الحداثة والتقليد.. والواقع أن هناك حداثة في داخل المجتمع الإسلامي لكنها مغبونة ولدت فيه ولم تُكمل نضجها بسبب الفكر المطلق في السياسة والدين، والإسلام المعاصر إمّا إسلام متطرف أو إسلام معتدل، وهو يرفض رفضا نسبيا الحداثة، أي تحوير مفهوم العلمانية مثل ما فعله عبد الوهاب المسيري، معتقدا أن العلمانية مثل الدين تقبل النوعية كالقياس بالمصلحة العامة في الأمور المستجدة عند جمهور من المسلمين دون سواهم، بينما هي لا، العلمانية فصل للدين عن الدولة وكفى، لا تحتمل النوعية مطلقا.

    يجب أن تنتقل حركة الفكر من الشامل عبر الجزء، وإذا لم يحدُث الانتقال من الشامل إلى الجزء صار النمط التفكير تقليدي، فلما فصل دي سوسير بين الدال والمدلول من يومها أحدث ثورة علمية في العلوم الإنسانية ترسّخ الوعي بوجوب أو ضرورة النظر إلى الأخلاق وفق إطار علمي وليس شعبي ولا عقلي محض، ولا ضير أنّ الأخلاق مبحث فلسفي يدين للمنهج العلمي في الوعي به وتطور البحث في موضوعاته بعد جدل أكبر الفلاسفة عمّر قرونا، ولما جاء منهج علم اللغة الحديث اختزل كل شيء في وقت ضيق، وصار لزاما النظر وفق منظور منهج علمي أي: 1) الوعي العلمي هادٍ إلى الطريق الصحيح والوعي الديني/الشعبي مظلل: والمتدين لا يتحدّث إلا بالأخلاق وكأنّها دستور وُلد معه بينما هي نسق ومنظومة متكاملة تخضع للتجربة والحياة 2) وعي علمي مطلق بالحرية، والفصل بين الدال والمدلول في الفكر الحداثي لا يعني اضطهاد طرق التفكير البشري، فمن لا يريد التطور هو حر، لكن تتوقف حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين، نحن سنفصل الدين عن الدولة، واحترام التعددية في التفكير من الأولويات المرتبطة بالحداثة قبل وبعد ظهور العلمانية.

     فالعلمانية عندما ضبطت أخلاقها ضبطتها تحت سلطة الوعي العلمي وليس الوعي العقلي، وكلمتي الضبط والعقل لا يلزمان الأخلاق في شيء، وإنما الذي يلزمها هو الوعي والخبرة الإنسانية المشتركة، لذا تعرّضنا للعلمانية ضمن مذهبين فلسفيين معاصرين هما الحداثة وما بعد الحداثة نأيا عن ربط المذاهب الفلسفية القديمة (وصولا إلى فلسفة الواجب عند كانط) للمجتمع بمعايير ثابتة للأخلاق مصدرها العقل، وفكّكنا اعتراضات النقاد المسلمين حول تفكيك ما بعد الحداثة لمفهوم الأخلاق أولا من خلال نقد "نقد التفكيك" في هذا المجال (والذي له علاقة بمجال تخصّصنا الدراسات الثقافية) وثانيا من خلال التّركيز على أخلاق الحداثة، لأننا مازلنا نعيشها فهي مشروع غير مكتمل حسب هابرماس، وعلى البنية العقلية لخطابها باللغة والتداولية.

    في خطاب التواصل ما يقف على تفكيكٍ لتفكيك المسيري لأخلاق الحداثة وما بعدها، والتي انتهت إلى هدم المعنى والمرجعية والإنسان نفسه حسبه؛ بداية من تمدد المادة بالحرارة وانتهاءً إلى "تفكيك الإنسان" وتحويله إلى مجموعة من البنى اللغوية أو المادية دون جوهر إنساني، وهو يتمثل تفكيك إسلامي للفكر الفلسفي (السببية) من منظور ديني قديم (لا تحرق النار القطن بطبيعتها، بل إن عملية الاحتراق هي خلق إلهي مباشر وجديد يحدث "عند" ملامسة النار للقطن وليس "بسببها") ومفاد هذا التفكيك ضمان أنّ الإرادة الإلهية تتدخل باستمرار في كل لحظة وفي كل ذرة لإعادة خلق العالم، ليت شعري، هذا تعطيل روح المبادرة وقتل إرادة البحث ويتم بالتّمويه والخداع والمخاتلة تارة والمجادلة طورا، فكيف تحول النّسبي إلى مطلق في خطاب المسيري، ومن سيتواصل مع هذا الخطاب، التّجريبي الذي لا يسمع ولا يعي إلا بأُذن الواقع أم الذي لا يقرأ ولا يسمع إلا بأذن المخاطِب؟ وهذه أدمغ الحقائق في بنية العقل المادية والروحية التي سكت عنها المسيري، وهي تخضع لضابط الضمير والفطرة الحرة التي مكّنت ميشيل فوكو من الوصول إلى حقيقة الجنس عبر تاريخه في الشرق الأدنى (أفضل تفنيد للجنس هو زيادة المتعة فيه) وهي ليست فكرة مطلقة ولا هاجسية على كل حال. 

     ثم ماذا عن الصّدق والصّراحة والتواضع والكرم والإيمان بالحرية واحترام المرأة بين الأمازيغي والعربي في بلد كالجزائر مثلا هل هي واحدة؟ أبدا، فالسياسي العربي الجزائري فضلا عن الديني مُلفّق وكذاب ويعمل من الحبة قبة بالوراثة بخاصة لما يتعلّق الأمر بالتدخل في شؤون بلده، بينما الأمازيغي يقول الحقيقة حتى ولو كانت مرة، والمثال الواقعي الأقرب الآخر هو عندما كنت طالبا في جامعات الجزائر، وجَدت أن الأمازيغي القادم من القبائل والذي يجد صعوبة في التكلم باللغة العربية يتقدم إليك بعفوية ويحاول أن يكلّمك غير محمّل بأيديولوجية الحذر التي تميز غيره (الذي ترضون دينه وخلقه) نتيجة عادة حرية الاختيار في بيئته. هذه الحرية تبيح للمجتمع إقامة علاقات منطقها أخلاق اجتماعية سوية، وخطابه خطاب عقل بيد أن ممارساته الاجتماعية حصيلة تعايش دون جاهزية فكرية.

    ومن هذا المنظور الحاصر للأخلاق في الدين بتنظيم عقلي لقانون الغيب (محرمات ومباحات القرآن وسُنته التي قاسَت عليه فحرّمت وحلّلت وفق المصلحة أحيانا كثيرة) ومن أتاها يُجازيه ربّه بالجنة ومن تركها كافر يستحق النار، فيصبح الوعي العلمي والاجتماعي ـ الثقافي (عقل زائد تجربة) في مواجهة أنطولوجية للوعي الإيديولوجي المسلّح بأخلاقه الجاهزة، أي تصبح الكينونة المادية في مواجهة للكينونة الفكرية، وهذا خلل ينجم عنه اللا معنى كما قلنا المعنى دال ومدلول وتأويل مقارب، وبغض النظر عن انتهاء الصراع لصالح من في يده القوة (سواء بممارسة فعل خطاب التوريث والتفطير على أنها أسمى الأخلاق على الإطلاق، وترغّب وترهب بها غير المتعوّد عليها أو الاقناع بالدليل الواقعي بسمو أخلاق بعينها) فإن الوعي الشعبي أو لاوعي الجماعة تقليد مضاد للحداثة، من أمثلة ذلك مقولة المرأة ناقصة عقل، الشعراء يتبعهم الغاوون، إقفال الغيرية، لا آخر إلا بكونه كافرا، فكيف يكفر المؤمن باللا دينية وهو مؤمن إيمانا رسّخه فيه خالقه. والحقيقة أن الموجود إنسانا أو كائنا حيوانيا يستمد أخلاقه من علاقاته مع الآخر المختلف، فحتى قبل تحريم الخمر تمنى النبي محمد (ص) لو تحرّم من خلال آثارها السلبية على سلوك اليهود والنصارى وغيرهم أسيادا وعبيدا في التعدي وهتك الأعراض والسرقة والقتل والدعوى إلى الفسق.

    ومن شأن التصنيف الديني للأخلاق إلى أخلاق سوية وأخلاق غير سوية ومراقبة السلطتين الدينية والسياسية لها أن يلغي ما لا يلغى، لأن محاولة إخضاع حركة الفكر والمادة الحرة (الفطرة والغريزة) لمعايير جامدة يصطدم بالواقع ويُلغي إنسانية الأخلاق ومرونتها. فإذا وُجدت الأخلاق فإنه ليس للبشر العيش دونها، لكن مع رقابة القهر الاجتماعي الديني والسلطوي السياسي ترسّخت بالعادة سلوكيات مادية ومعنوية ممنوع اقترافها، كالزنا والقتل والتعري عنوة/ الكذب، السرقة، والاعتداء على الوالدين.. وأخرى واجب التّحلي بها كالكرم والشهامة والعدالة والرحمة والصدق والأمانة.. بيد أن هناك من الأخلاق ما تبسط دون رقيب وتسمو في أبعادها الإنسانية عن الأخلاق الدينية التي تنمو مع الطفل في شكل تربية فطرية تحت ضمان الأولياء والمدرسة، ومنها ما يتعلمه أوامرا (لا تفعل المحرم وافعل المحلّل) مصدرها القرآن والسنة، ويعتقد الشعبي (التقليدي والأمي) المسلم أن المجتمع سيفسد وينحلّ أخلاقيا إذا لم يقم بتربية وتعليم ونشر ما يجب نشره، أما النخبة المتعلمة في المدارس غير الحكومية والمثقفة ثقافة ذاتية، حتى ولو كانت بسيطة وهي جزء من هذا المجتمع تعلَم أن ذلك لن يحدث إلا جزئيا، والتعبير عن الثقافة أمام سياسة العصا والجزرة ليس بساطة وضعفا، فالتسلط والغش والاحتقار والجبن والمصادرة والكراهية ثقافة تجاوزها أفراد متعلمون ومثقفون فكانت العلمانية (مجموعة من أفعال الخير والشر نفسها تقريبا ما عدا الاعتراف بالآخر واحترامه) بيد أن ما يفرّق بين إيديولوجيا التقليد وإيديولوجيا العلمانية هو توجيه الخطاب لفطرة وضمير الإنسانية، الضمير والفطرة اللذين يقيّدهما الدين.

    ومثقف القرن العشرين العربي العلماني والحداثي والمجدّد اصطدموا كلّهم مع الدولة وأجهزتها وخافوا على وظائفهم، ولمّح العقاد إلى استحالة فصل الدولة عن الدين مقدما دليلا ماديا غريبا وهو "أنه لا يمكن العزل بين الفرد وبين النوع.. لأننا إذا راجعنا تكوين الفرد نجد أن النّوع ممثل فيه، في وظائف جسمه؛ في هرمونات الخلايا وتركيب أعضائه، كل هذا عباره عن تمثيل للنوع فليس هناك وسيله للفصل ما بين الفرد والنوع على هذا الاعتبار نستطيع أن نعطي الفرد كل حقه لكن في إطار خدمة النوع" ولكن للأموات وهم خارج الوجود أيضا تركيبة جسدية متشابهة مع فرد العقاد يمكن التأكد من خلال تحليل الـ ADN ومنهم من يدخل الجنة ومن هم من يدخل النار حسب مذهب الوجوديين المؤمنين، إذن لا يمكن فصل هذا الفرد حيًّا وميتا عنهم! والواقع أن ما وراء فهم طبيعة الأخلاق بين العلمانيين والدينيين تقف جملة من المتناقضات لأن التحليل النظري بعيد كل البعد عن الواقع، وهنا سينقلب شرف العربي وشجاعته إلى هتك عرض وجبن، وهي في الأخير من تحدد أهلية مجتمعه للحداثة من عدمها (القابلية للتخلف والاستعمار)

   إنّ أكثرية شعوب المعمورة المتديّنة مهانة ليس في عرضها لكن في وضعها الرازح، لا هو بالعقلاني الحداثي، ولا هو بالمتخلف الشبيه بالمجتمعات البدائية في طريقة تفكيرها، فهم يهينون أنفسهم مليار مرة عقدا بعد آخر جراء خطاباتهم البعيدة عن العقلانية خاصة التي تتخذ من القرآن سندا تحاول الدفاع عنه، وعن شبهة الإرهاب الملتصق به فلا تتمكّن، لأنها إما تحيد عن التفسيرات العقلية تماما (فالوجودية العلمانية ـ وتلتقي معها الغنوصية الحلولية ـ تقرّ بأن لا فكرة بعد نهاية الموجودات، إذ تعد فكرة الله مرتبطة بالوجود، غير أن الإسلاميين يستشهدون بالغيب ويقولون بحياة أخرى للأموات!) وإما تفسّر الماء بالماء بعد عسر ومشقّة، إلى أن تنطوي عليها الحيلة ويكتشف العقل بديهيا عمليات اللف والدوران وخلق حجج للتعليل توحي بأن أصحابها مقيدين بأيديولوجية الإطلاقية والتعالي التاريخي، لا ينفكون عنها إلا بالموت والنموذج الأوضح عدم صمود معجزات الكتب المقدسة البيانية والعلمية أمام إصرار التنقيب واكتشاف التناقضات، ثم ينكر أصحابها الحقيقة حتى في أبسط تجلياتها البيّنة بيانا دامغا كخلق مفهوم الإلحاد غير الموجود، لأن الإيمان بالفكرة المناقضة لوجود الله وهي عدم وجوده منفصلا عن الكون إيمان، بل إيمان أقوى من إيمان المسلم لأنه يستعين برجاحة العقل.

    فالوجودي ليس شخصا ملحدا (ونخشى أن العقاد كان يعي هذه النتيجة لكنه يهرب إلى الأمام حفاظا على مكانته الاجتماعية والثقافية التي بلغها) ولا يختلف عن هذا الشاهد إنكارا وهروبا إلى الأمام من أجل المصلحة الذاتية والتاريخية سلوك "الهاجسية" اتجاه بعض الأخلاق كعدم الزواج وعدم الختان والشذوذ لدى المجتمعات الإسلامية العربية وبالخصوص بالأرياف ومضارب البدو، وكم طالعتنا وسائل الإعلام عن جرائم قتل هيسترية من أجل الشرف أو دفعا للعار وهتك العرض والفضائح المتعلقة به والطب الحديث يؤكد على التفسير البسيكولوجي، حيث الهاجس انفعال نفسي وعلامة سيميائية تسِمُ على ضعف صاحبها الشخصي في الموضوع الذي يمقته ليس إلى درجة قتل بناته وأبنائه أو دفعهم إلى الانتحار بل تزويجهم أطفالا، وللقضية جانب وراثي يؤكد أن الهاجس في تاريخ العائلة أو السلالة دليل على أمر هتك عرض أو ديوثة أو ضعف شخصية بشكل عام في ذلك التاريخ يتناقله الأفراد جيل بعد جيل. 

     ويؤثر الاقتصاد والبيئة على أخلاق البشر طبعا ومازال المتديّن متعالٍ على العلماني لا يقيم له وزنا بل حتى في التحية الإنسانية، لا يحيّه بها متوهما أنه يحصُره ويضيّق عليه، وهو في الواقع يتميز عنه بالأيديولوجيا، مع هذا يعطي العلماني واللا ديني صكا على بياض له في احترامهم للتنوع، إذن سمو أخلاقهما الإنسانية، ومنتسكيو عالم الاجتماع الفرنسي هو من أعطى تفسيرا جغرافيا لميل أخلاق المناطق غير المعتدلة أي الباردة كالاسكندناف والحارة كالمسلمين إلى العصبية، والشهوة الزائدة، أما الخوف من حرية المرأة وانتهاك حقوقها، والنفاق والكذب والتآمر والخداع (ليس افتعال السياسي عن طريق أعوانه لدونية وذنب المسلم في حق نفسه: بأن بعدك عن الله هو سبب بلاءك فقط) وهو عكس ما قاله ابن خلدون تماما (الخير في طباعهم) هو خاص بالمجتمعات العربية المسلمة فقط؛ حين يغدو الخداع والكذب مرضي حول كل ما تعلق بالعَرض والشّرف والمرأة والجنس وأخلاق الغربيين المعاصرة (انظر أعلاه: المسِيري أنموذجا).

      ونخشى أنه في الأنظمة التي تعرف تحالفا استراتيجيا أيديولوجيا بين السياسي ورجل الدين تنشأ سلطة مهيمنة رمزية وخفية، وهي قوية بما كان في التربية والتعليم والإعلام والثقافة حسب بيار بورديو، وعن طريق شعارات ورموز ثقافية يفرِط الموظف المتملّق والانتهازي في الترويج لها أكثر من الموظف العادي كتوقفِه عن العمل عند الآذان أو دعوته للناس في المناسبات الوطنية ومساعدته المزمنة للنساء، والمتملق نفسه (كنخبة أو قطيع) يصبح رمز الطاعة للسلطة اجتماعيا عبر تلك الأجهزة أو غيرها، ويكمن خطر هذه السلطة الاجتماعية المهيمنة في أنّ إفراطِه لا يُفهم إلا كونه خلقا بارا (يحب وطنه ويخاف الله)  وليس ضعفا في الشخصية ولا وعيا بالتفكير النقدي وانتهازية للترقية، فهو نسق مُضمر وعنف رمزي يقلب الحقائق رأسا على عقب، ويُظهر آليا الأفراد الأكفاء الواعيين لا خلوقين وفي أسوأ حال!

    ثم في الأخير ما بال رجل لا هوية له غير أنه باحث مُواظب عن وفي هوية أجداده بعد أن علِم قمّة أخلاقهم فأصرّ على كُره النبي العربي، ومقت نبي اليهود، ولا كره ولا حب المسيح، بينما هو يحب الله كما قال لأنه حسّن أخلاق أجداده، وطوّرها بمدّهم بمعرفة واسعة حول ما أنزل، وما لم ينزّل. هذا هو الرجل الذي خيّل إلي أنّ الله اختاره دون الإنسانية قاطبة ليقول أخلاقي أخلاقي وديانتي العَلمانية من صنّفتها مثالية، ومثاليتها في خلوّها من أي جَدٍ مجهول النّسب ومن فكر جاهز وعنصري متحوّل إلى عقيدة تبصم على الوعي باللاوعي والحياة بالعدم واللا معنى، لأن الحقيقة التي بحثت عنها العلمانية في المادة والطبيعة تقاوم اللا معنى، وتدفع اليأس واللا جدوى وتثير اللذة نحو اكتشاف الجوهر المطلق، بأداة التّفكير النقدي الذي ضربت عليه الأديان. 

 بوزيان bouziane
بواسطة : بوزيان bouziane
موقع تنويري فكري وشبه أكاديمي، يتغيا تقديم إضافات نقدية تخص تحليل الخطابات الثقافية ونظرية النقد والأدب متوسلا بجماليات التلقي والنقد الثقافي، كما يعنى بنشر إبداع قصصي جديد ليس له ما يماثله على الساحة الجزائرية، والمقال المتناول للشؤون السياسية والإعلامية والاجتماعية المقاربة للظاهرة الأدبية والمحاكية المكملة لها.
تعليقات