أعلان الهيدر

الرئيسية حكايات الدكتور سْفَر ـ5‏

حكايات الدكتور سْفَر ـ5‏

بوزيان bouziane



     يدخل الدكتور سْفَر إلى قاعة التدريس متأخرا و بدون محفظته الضخمة على غير عادته ، ثم يدور بين الصفوف قائلاً : " اليوم هو آخر يوم دوام قبل حلول العطلة ، و كما أرى نصف الطلبة غائبين لذا سنخصص حصتنا الأخيرة هذه للتفقه في أمور معرفية كنا قد مررنا عليها سابقا مرور الكرام . تفضلوا أمامكم ساعتين من الزمن اطرحوا عليا فيها أسئلتكم كما تشاؤون سواء كانت خاصة بالدرس أو ثقافة عامة ، يا اللا "
 وقد راقت عبارة " ثقافة عامة " كثيرا لمجموعة الخلف حتى أن أحدهم طلب إذن الدكتور سْفر لطرح سؤاله حتى قبل أن يتم كلامه ، فرد عليه الدكتور سْفر:
ــــ أنت طالب كثير الأسئلة و بالرغم من ذلك لم تحصل لي على علامة جيدة.
(1) ــــ أنا دائما كنت أسأل أسئلة خارجية ، لو تذكر أنك قلت لنا منذ مدة أن ثمانين بالمئة من أساتذة قسم اللغة العربية و آدابها شهاداتهم العليا مسروقة إما بغش ممنهج طول المسار الدراسي أو إما بسرقة بحوث التخرج ، أود توضيحا لو تكرمت؟
ــــ آه ، أنت دوما تصيب لب القضية و لا تخطئها أبدا ، أحسنت . أنت تقصد التلقين على المنهج الخاطئ منهج النسخ و الحفظ و التمرس على عرض الاختبار الشِفاهي المنسوخ الذي يُحْضِرونه معهم من بيوتهم ، وقد ساروا عليه في التدرج ثم في ما بعد التدرج ، بدل تعويدهم على الامتحان الكتابي من منطلق أن كل بليغ فصيح و ليس العكس ، المنهج الصحيح يكمن في تعويد الطالب على تحرير النص الكتابي لا الشفاهي و على الشروع في ممارسة النقد المبكر و حساسيته مع تبني الأسلوب الذاتي ، لكن لا حياة لمن تنادي ، هذا هو سبب انحطاط مستوى الأدب و النقد و ضعفهما في الجزائر، بخاصة في الدراسات العليا ثم العمل بحذق على استمراريته في حلقة مفرغة مفعمة بالصداقات و التعاضد التكسّبي ( في درجة علمية أو وظيفة أو كرسي ) على حساب المستوى و النزاهة العلمية ، ثم إن أولئك الطلبة الذين يمنحونهم درجات تصل الامتياز بغير هكذا منهج تدريس ، يأخذون شهاداتهم تلك ثم لا يظهر لهم من أثر بعد ذلك أبدا ، إلا من رحم ربك (من ولج منهم مجال الصحافة) ؛ لا ضير في أنهم يأخذون عن أساتذتهم فن الصنعة فلا يغرنّهم أي شيء سوى لقمة العيش بشهاداتهم العليا تلك و الحفاظ عليها من خطر النزاهة العلمية ما استطاعوا! ؛ تدريسا في المعاهد أو الجامعات مثلهم أو تسييرا في الإدارات ، و يقتنعون بذلك بدون تأنيب الضمير في تحرير حتى كتيّب صغير أو حتى خاطرة أو مقالة صغيرة. ليت شعري ، بل إن القدرة على تحريرها ستخونهم أصلا لو هم حاولوا! بهذا المنهج طال انتظارنا لرجاء النقاش الجزائري و نجيب محفوظ الجزائري ، لذلكم أوصيكم و نفسي بالضمير المهني و النزاهة العلمية ، مستنهضا فيكم إعمال معاول النقد منذ نعومة أظافركم ، اتركوا الموضوع جانبا وتوجهوا إلى صاحب الموضوع ، هي فرصتكم في هذا البلد ، التي تخولكم أخذ معرفة حقة في هذا الميدان ، أنا لست نبيا و لا زعيما أسطوريا فأعملوا معاول النقد البناء فيا و سترون كيف ستتحررون من عقدة "الضعف الجزائري المتوارث"
(2) ــــ الرواية الجزائرية؟! ، الرواية الجزائرية هات حدثنا عنها مرة أخرى أستاذ؟
ــ كأنك تريد استدراجي إلى حكاية "بغل الرواية الجزائرية" التي لم ترق أكثركم ، أنا لا أريد ابتزازك ولا ابتزاز أحد ، سأقول لك بصريح العبارة أن "بغل الرواية الجزائرية" هو بغل الرواية الجزائري وكفى به أنه بغلُها! لمّا ضربت لكم سابقا مثالا عن بساطة و فجاجة الأدب الجزائري الذي كتبه روادهم ( إلا فيما ندر ممن انتسبوا إلى علوم الدين كعبد الحميد ابن باديس و محمد العيد آل خليفة على سبيل المثال لا الحصر) عندما قلت أن الرواد : ابن هدوقة و أحمد رضا حوحو و عبد الملك مرتاض و زهور ونيسي و الطاهر وطار في بداياته ، كانت لغتهم الإبداعية لغة بسيطة و فجة و أن لغة الروائيين المعاصرين ركيكة بالقطع ، كنت أعي تماما ما أقول ؛ لأن الأوائل عاشوا جنبا إلى جنب مع الفرنسية ، مع قلة المراجع و قواميس اللغة و قلة النخبة المثقفة نفسها إن لم يكن ندرتها. أما المتأخرين فعاشوا في حظوة عصر التقنية و الحاسوب و الأنترنت برغم ذلك فإننا سنجد بخّاصْهُم ( تعبير مغاربي دارج يعني بليدُهم في الصنعة ) يخرج لنا بهذا التعبير في أحد رواياته : " لاحظ الورقة المعلقة على زجاج السيارة الأمامي. ظن في البداية أنها مجرد ورقة اشهارية من تلك التي تعود أن يجدها في كل صباح ، و يكفيه قليل من الماء و تشغيل المكنسة الزجاجية لينتفي كل شيء"[1] عندما تلاحظون معي كلمة معلقة بدل موضوعة أو حتى ملصقة ، و تكرار الواو في ( و يكفيه) ( و تشغيل ) أحال بتعبيره و كأنه تعبير مراهقين ، ثم أرأيتم في حياتكم مكنسة زجاجية؟ يا أخي قل بدلها مسّاحة الزجاج لتكنس كل شيء ، بهدلتنا.
العرب تقول إنما يجني على المرء أدبه ، وإذا انحط أدبه قبل فوات الأوان لم يفده علمه.
طالب آخر من مجموعة الخلف يستأذن لطرح سؤاله ، فيأذن الأستاذ له
(3) ـــ أما أنا فأريد معرفة رأيك في مستوى النقد العربي المعاصر بعد أن عرفنا رأيك في مستوى الأدب ، لو تعود بنا إلى مستوى النقد العربي و الجزائري الراهن؟
ــ عندما غادرنا الناقد المصري المعاصر اللامع رجاء النقاش سكت بموته صوت ناقد و لا في الأحلام ، الكثير ممن يشبهونه موجودون هم ولا شك في مشرق الوطن العربي وارثين عنه صفاته السجية في النقد المطبوع الذي له امتدادات تراثية ، أما عندنا فيستحيل وجوده ، لعل ذلك الناقد الجزائري الجديد الذي نبحث عنه لم يولد بعد ، حسبنا في الجزائر أنه لدينا نويقديون ، الذين لا أعرف أسمائهم ، فهو مثلَهُم (الذي لم يولد بعد) لازال ناقد مبتدأ ، بس أنا موش عاوز أخبي عليكم انبهاري من صدق الرؤية في قصته النقدية مآلات راعي الحضنة اللي يتوقع فيها ثورة في بلده الجزاير ـ و هو اللي كان من المفروض يحصل مية المية لو عاند الرئيس بوتفليقة و نظامه المتظاهرين . و على فكرة الشباب دول عندهم كرامة من نوع خاص ، يعني يعرفوا مين يضربوا ومين ما يضربوش ؛ يعرفوا مين الوزير الحقيقي و مين الوزير الشيات و المثل العربي يقول أهل مكة أدرى بشعابها.
 العبد الضعيف كان يريد أن يوصيكم بل يستنهضكم في أن تمارسوا النقد و تتمرسوا عليه حتى يغدوا صفة تلازمكم ( ربما لن نلتقي ثانية بعد يومنا هذا ) ؛ تنقدوا غالبية هؤلاء الأساتذة الأكاديمين الجزائريين و المغاربة بين قوسين ، و هؤلاء الروائيين و النقاد الجزائريين و المغاربة بين قوسين كذلك. كما يجب عليكم أن تفهموا أنه لن يكون لنا شبيه رجاء النقاش و لن يكون لنا ما للعرب المشارقة من مستوى أدبي ونقدي إلا بعد أن تتركوا نقد المقدسات و نقد السلطويات لأهلها، فالنقد الأدبي تعبير شديد الدلالة عن حركة الفكر و انشغالاته بمسألة وعي الذات بالآخر ، ستجدون مبتغاكم بقراءة محمد مندور و شكري عياد و الفلسفات الخاصة بالفن و الأدب ، ثم فلتتفرغوا لنقد القامات الفارعة المعتدة بذاتها الخاوية الوفاض و ما أكثرها ، عليكم بنقدها أولا في لغتها و في أسلوب تعاملها مع اللغة و نقرها كما تنفر فقاعة الصابون إذا لزم الأمر و حينها فقط حينها سيخلو لكم الجو و يتهيأ لكم الفضاء الأدبي و النقدي ، كي يكون لكم مثل ما للأدب و النقد المشرقيين.
 ما أكثر ما يخوض فيه هؤلاء النويقديون و الشويعريون و النويثريون الجزائريون أكاديميون كانوا أو غيرهم في طرح أفكارهم و إبداعاتهم ، فلتقرأون ما يكتبون ، تابعوهم ، كَم ستدركون صواب كلامي. ستجدونهم دون معارف هي أساس التخصص ، بدونها لا أدب و لا نقد ألا و هو التحكم الجيد في اللغة و بأبجدياتها و حياتها ضمن التداول الاجتماعي لها تداولا صحيحا ، وهل ستجدو في كلامه كلاما يمكن نسبه حقا لإنسان يقول أنا عربي لا أنا أمازيغي، أو أنا خلاسي أو أنا مزيج بين هذا و ذاك! أبدا لن تجدوا ، و مازالوا يترجمون أدب و نقد الفرنسيين إلى لغة هي أولا و أخيرا لغتهم هم ، لغة غريبة جدا ، يحسبون أنها لغة عربية ، كالتي نسمع و نرى عند المصريين و السوريين و الخليجيين ، إنهم يحفظون ما يترجمونه عنهم من نظريات نقدية منذ ما يربوا عن الخمسين سنة و نيف و مازالوا يفعلون حتى خرجوا إلينا بلغة خاصة فيها رائحة جيناتهم ، المسكوكة الهجنة و الشك و الطلسم ، و غرابة مفردة الماضي في الحاضر ( نبغي ) و مفردة مستقبل في الماضي ( رايح نبغي ) و فيها من غموض التجريد و الأبهة المحفوفة بالنرجسية ما فيها لا يستقيم مبتدأها بخبرها إلا إذا وشى عن رطانة و لحن و لَكْن و همز و لمز ثم تقعر و تكلف فتصنع نطقي ، مضاهي لتصنعه في مخارج حروفه لابن الطفيل و الثعالبي لا سبويه و الكسائي ؛ فهم يُشْقون العربية على ألسنتهم جاعلينها قِنةً تجاري أهوائهم ، و إليكم هذا الشاهد مأخوذ من كتاب عنوانه يسيل للعاب ، لكن أول ما تبدأ في قراءته يحيرك و يربكك إلى درجة التنفير، لكن حتى وإن أردتم أخذ معرفة نقدية و ثقافية منه و قرأتموه متغاضين عن مستواه اللغوي التعبيري فإنه حتما سينزل بمستواكم الذوقي فضلا عن اللغوي بعد إتمامه ، انظروا إلى بساطة التعبير سيد بحراوي في مقدمة كتابه " صناع الثقافة الحديثة في مصر" : " عنوان هذا الكتاب مستوحى من الدراسة المنشورة ها هنا عن يحي حقي. فحين أمسكت بالقلم لأكتب عنه. بعد و فاته. قادني القلم إلى اكتشاف ما أكنه من امتنان لهذا الرجل الذي أعطى لكل حياتنا الثقافية تقريبا، بحيث ساهم. دون شك. في بناء كل مثقفينا من جيلنا والأجيال التالية و من ثم وجدت أنه جدير بالوصف بأنه واحد من كبار صناع ثقافتنا الحديثة و حين اجتمعت أمامي الدراسات و المقالات التي .. "[2] لعمري تعبير كهذا حري بالمراهقين لا بالنقاد . لعمري إن لم ينفركم إلى ابتغاء المرجع المشرقي حتما فأنه سيساهم في تراجع طاقاتكم التعبيرية. رحم الله شكري عياد حينما قال : أنا إذا كنت لا أملك شيئا ما ، لا داعي أن ادّعي ملكيته فلأحاول ملكيته. و لعلي أزيدكم نموذج آخر حتى تقتنعوا مأخوذ من أطروحة دكتوراه ، جامعة وهران ، يقول صاحبها : " مع افتراض أن الخطاب السيميائي العربي ، في شقه النظري ، بات متقدما عن الممارسات النقدية ، مقارنة بمناهج أخرى، فان ذلك لا يبرر استشكالاته المطروحة على المستوى التطبيقي" قولوا لي يرحمكم الله ماذا يعني ﺒ "استشكالاته" أوَتعرفون مرد الإشكالية التي يتحدث عنها هذا الباحث ؟ هي ترجمة المغاربة الاغترابية ، ثم حفظ هذا الدرس و هذه النظرية النقدية المترجمة (السيميائية) ثم نسخها بضاعة لترد أليهم في الامتحان و هكذا تستمر الحلقة ، فبدل فهم النظرية النقدية الفلانية ثم تحريرها باللغة الخاصة بكل فهم و بالأسلوب خاص يجري تأمين نقل بخْسْ للغة وضيعة أبا عن جد و باسم العلمية!
انظروا إلى مخارج حروف لسان كبيرهم مالك مرتاض و الحاج صالح مثلا ، أصواتهما رَطِنة و نشاز ، برغم أنهما عالمين متخصصين إلا أن القدرة على توليد الكلم العربي و معانيه لديهما جد محدودة ، تجد لسانهما بالكاد يحتفظ بمجموعة من الألفاظ ، يديرانها استعمالا مستميتا و يكررانها في محافلهم إلى درجة من البله و من فساد الذوق ثم العُطل البلاغي المزمن ، حتى يخيل أنها فصاحتهما الخاصة التي لا يفقه أسرارها سواهما ، و مع ذلك ، بمنهج الحفظ و التقليد يتفقهون في علوم النقد و اللغة ؛ أجل فأي أدب و أي أسلوب بليغ و أي نقد تستبشرون أو تأملون ، بالمختصر المفيد ستجدون أن جلُهم مجرد فقاعات صابون طافية تستوجب النقر قبل أي إقلاع حقيقي ، و كما علمتكم.
ـــ خلينا نسمع صوت وحدة بنت يا للا؟
(4) ــ بما أننا في ختام الفصل .. رأيناك أستاذ تلجأ إلى مسكنك في إحدى عمارات الحي الجديد ، ولم نسمع بأن لك أولاد أو زوجة؟
ــ الأمر في غاية البساطة. يقولون أن أعظم إنسان مشى على هذه الأرض لم يأبه بالزواج على الإطلاق؟
بما أنه لا يوجد أحد فيكم سألني سؤالا سياسيا فسأتلو عليكم من هذه الورقة مشروع الشخصية الدولية سكوت ليبرمان لحلحلة قضية العالم الشائكة ألا و هي القضية الفلسطينية ، و في شكل سلسلة حكائية كما جرت العادة من لدن هذا الخبير الظاهرة.
الحكاية الحادي عشر « إســــراطــــيــــن »
< لا بد من مقومات طبيعية و بشرية و تاريخية و حتى قومية لتأسيس أي دولة ، و هذه المقومات سواء كانت ريوعا أو ثروات خام سنجدها متوفرة في بعض مناطق التوتر عبر العالم كالصحراء الغربية و متوفرة كذلك لدى دولا أقزام كجيبوتي و البحرين أيضا. بينما هي غير متوفرة في منطقة القبائل في الجزائر مثلا و غير متوفرة لدى الأكراد و لا حتى لدى الفلسطينيين > قال السيد سكوت ليبرمان متعهدا بإعطاء تصوره شامل يفضي إلى حل القضية التي أرقت العالم و إلى الأبد ، مضيفا : « لقد نظرت في أطروحة المرحوم القذافي قبل سنوات و قلبتها من جميع جوانبها ، مع ذلك تركتها جانبا. لكن اندلاع الحروب ثانيةً مطلع القرن الواحد و العشرين بين اسرائيل و حزب الله و بينها و المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ، وهي مندلعة إلى حد الساعة بينها و بين سوريا في شكل اطلاق صواريخ و اغارات فجائية من الطرفين ، أمام هذا الوضع البائس المزمن عشرية بعد عشرية و الذي يموت فيه الأبرياء من الأطفال و الشيوخ و المعوزين ، بأعداد مفزعة ، و أمام مرأى ترف العالم ولهوه! ألا يحق لنا عندئذ من اقتراح حل فعال تقبله جميع الأطراف ، بلى إن في الأمر لحكمة استقيتها من دراسة تاريخية و اجتماعية عميقة امتدت من 2006 إلى 2017 خلصتُ فيها إلى النقاط التالية ، سأقدمها إلى الأمم المتحدة لتطبيقها و حل قضية طالما استنزفت العقول و الجيوب و استنفرتها أيضا:
1 ــــ لا مجال لإنشاء دولتين أبدا فذلك غير ممكن عمليا ، ولا لعاصمتين المجال لا يتسع إلا لدولة واحدة. لأن الموارد الطبيعية ضئيلة بالقياس إلى مساحة الأرض التي لا تتعدى  26,990 كم² دون نسيان أن 40% منها صحراء (النقب) لا تصلح للعيش ، وهي لا تستوعب شعبين يضم كل منهما من خمس إلى تسع ملايين نسمة.
2 ــــ تأخذ الدولة المنشأة بين لبنان و سوريا شمالا ، و الأردن شرقا ، و مصر جنوبا ، و البحر الأبيض المتوسط غربا اسما من اسم أكبر الشعبين الذين يعيشان في المنطقة و هما الإسرائيليين و الفلسطينيين ، و تقام القرعة لتحديد الاسم إما إسراطين أو فلسـرائيل.
3 ـــ تأخذ الدولة الجديدة اسم جمهورية إسراطين/فلسرائيل الديمقراطية الحرة ، ولا شأن لدستورها و لا دخل للسلطة المنتخبة ديمقراطيا بشأن الدين و العادات و التقاليد فهي تبقى من اختصاص الأفراد وحدهم ؛ من شاء يسلم و من شاء يتهود ومن شاء يتمسح و لا يعتاد إلا على كفاءتهم في تبوأ المسئولية ، مهما كانوا أتقياء يهودا أو مسلمين. نظامها الجمهوري يقوم على ديمقراطية الدولة بالانتخابات الشفافة و حرية الأفراد مكفولة و لمن يطلبها ، و هي مستمدة من الدستور ومن تقديم الكفاءة التقنية العلمية عن سواها.
4 ــ اللغة الرسمية للجمهورية هي اللغة العربية و العبرية معا و علَمُها من جهة علَم فلسطين  و من الجهة الأخرى علَم إسرائيل. كل شيء تعلّق بالحكومة و الجيش و العُملة تخضع للمناقشة بكل حرية و إن لزم الأمر للاستفتاء النزيه و الشفاف. و العاصمة هي القدس و تل أفيف معا ، ما المانع ، وإذا أرادا الشعب اختيار عاصمة واحدة ، فله ذلك.
 هذا ما جادت به قريحة سكوت ليبرمان في آخر خرجاته. أظن أنه بقي واحد من مجموعتكم الخلفية الموقرة لم يتكلم بعد.
ـــــ أنت ، نعم أنت في الخلف ، صاحب الغوفلة ننتظر قريحتك ، أم أنك لا تجيد غير الأمازيغية حديثا؟
(5) ـــــ أنا؟ آاأ أنا كنت بالأمس .. نعم و دوما كنت هناك .. هناك بأرض النار
ــــ ماذا؟! " أرض النار!" ..! أم أنك معلول تريد الخروج!!
ثم تنطلق الضحكات من هنا و هناك ... اهههه اهههه ... اههههه اهههه ... افسح له أستاذ ( صوت قادم من عند البنات)
ـــــ نعم كنت بها وحيدا رحالةً مكتشفاً و عشت خيالات و لا ألذ ولا أطيب ، خِلتها قصة أو خيال بعض  قصة دخول فجائي للجنة ثم العودة منها ، و أصبحت ذكراها تعتري من يود أن يحكيها ليخلّد عبقها في نفسه و ليطرح بعضا من بنات أفكاره أدبا.
ـــ حسبك هات ، قل ما عندك. كلنا آذان صاغية
حـــكايــــــــــIl tierra del fuogo » »ـــــــــــــة
كنت دائما أحب المغامرات المسكونة بسحر الشرق العظيم و كنت قد أضمرت في نفسي أن أرتحل في يومٍ ما إلى الشرق ، إلى أرض الماكي ساو maki saw و  حكايات ألف ليلة و ليلة ، أرض الروحانيات التي لا تنتهي ، و أنا لم أكمل عامي الخامس عشر بعد ، وجدتني بين يوم و ليلة أتعلق بحلم قاب قوسين أو أدنى يلقي بي في غور سحيق على سطح أحد السفن المارة بشاطئ من شواطئ الجزائر الغربية ؛ فدفنت فيه حيا محتملا الجوع و البرد إلى أن وصلت عرض المحيط الأطلسي ، بعد يومين من الإبحار اكتشفني أحد البحارة الإسبان الذي ولج الغور لأخذ برميل الشرب ، فسحبني مذهولا إلى الرّبان الذي عزم تسليمي إلى أول سفينة عائدة من أرض النار ، لكنه غير رأيه ، بعد ما بدا  له ما بدا من دماثة خلقي ، فألحقني مساعدا محتملا لكل من يطلبني و خصص لي مقصورة مفتوحة السقف ، لأمكث فيها متمددا على ظهري منتظرا الطلب.
« النار النار .. الآن يا راهب الدار، بالإنجيل ، بموكب الأنس ، بأرض النار لو تخبرني عن العرعرات اللواتي كنا هاهنا ، أم أنهن اقتطعن ؟ بالإنجيل تخبرني ، بحياة صبي جارف تخبرني ، فبالأمس كنا هاهنا و كنت قبالتهن ألعب تارة بالأكر و تارة بما صفّته لي من بذور لأحمله و أمضي إلى العش ، إلى الأسلاك الشائكة ، إلى لحاء العرعر و الحَور أقشّره ، إلى أعواد القصب المصفوف كجنود الجان اللاّترى فالعرعر العرر .. و حياة مجديَ الطفولي الغارق في صدري لَعرعر و حَور هرمي .. و طورا كنت ألحق به عصفور كمصفّى القصب .. شيءٌ مطمور في الذكرى له ذيل مزدان و مكنسة ، و بالتراب يذريه كان ، للريح يُخليه ، وفي دربه الضّيق المصقول بحجارة الوادي ينفيه .. مصفى القصب تاريخٌ آخر لن يبرح في الزمان يمله الصِّبيَة العابثون ، و آخر متوجسا منه ، متهيباً ، ينزل و يصعد و بأنامله يفرِكُه.
 فجأة تظهر في الأفق البعيد أرض حمراء و نوارس تحوم حولها ، و آخر فوق رأسي يجسُر به أن يصّعَد في نعيقه إلى أن طرت من شدة الهول و الفزع ، كأني طفقت لم أزل أعافر خارجا من حلم مخيف حتى داهمتني رياح صرصر تلسع و أنا دون معطف.
و الآن الكازيرنا الكازيرنا ، هناك تطل من علٍ جدرانها الحمراء العتيدة ، أشرف من قصور مراكش و الضباب يعتنقها ، هناك عند مرابط الضباب ، ظلّ أنا و البوح الذي شب يطلبه ، عودة لأيلول في كل عام دون أمل ، أين تُراك أنا يا دارياً كيف أشكو و أنفجر، أشرح الشوق كله أم من الشوق أختصر؟ هناك عند أسفل البَحيرة تحت اللوزتان عمر الصبا الذي تركت ، تذكُرك البراري فأنت رحلتان و عودة ، عودة حلم مراهق يصيح "أن ملّني الدهر!" ، أمي دعيني أسعى جمرة الألى إلى ذلك المشهد الرهيب ، و كأنه صدى حكاياتك التي بالأمس تهمس جنية ( قم إلى العرعرات و إلى حدود النار). رحلتان بأمرك من الزريبة الشرقية شُعلة الجوى إلى حدود جنان البايلك[3] ، ضباب ضباب أمي و متقَفِي عمرَ المسير أنا سرت أنعُم ؛ بين ثالوث كاسح و جمرة متقدة فيا تلهب الضمير إلى ذاك الماضي التليد ، و مازال الضباب عندما يئم ، يصلنا بعبق ملاك ، شفاف مجنح ، هو الكازيرنا ، هو الحمرة ، هو الرهبة ، هو المجد كله ، هو الوقفة بانتظار الملأ ، كالطود في مقام مهيب على مخي الأيسر و أُخَر عرعرات الضباب الشامخة شموخ الأزل ناحية مخي الأيمن ؛ حيث الذاكرة لا تبرح تنتكس لتجنح خلف مسيرة الضباب ، رايحة جاية ، وإلى موقد أمي ، كم كنتن غير عرعرات ، وكم كنت لا شيء دون موقد أمي ، كم كانت زريبة خائبة دون أشجان منعطفات متدحرجة كالتي عبقت بها الترب بعد أن انهمر المطر .. كالشذى أو كالأنس أو كالحنان ، وكم كنت أنت فيها الضائع الكبير لولا اشواق المساء الدافقة ، فانعم به ضائعا في مدارج التحلي و سننعيه لك عما قريب بئس القضاء قضاء الملأ في مساءك الأخير أيها الأنا المستفحل ذكرى مقدسة.
أما الآن فالعودة .. الآن الطلقات المجنحة مع كل صباح .. و يكبُر فينا ألم الرحلة عبر البرزخ ، عبر العبر ، .. و نكبُر عندما  يكبُر الشفق الأحمر في ذلك الغرب . يدعونا إلى أرض النار ، يدعونا يدعونا و سيظل يدعونا.
و أخيرا تصل السفينة إلى ميناء بويرتو ويليامز موطن شعب هنود المايا ، السكان الأصليين ، بعد أن مرت قرب مرفأ مدينة أوشوا على جزيرة أرض النار il tierra del fuogo و مرت قرب سواحل البتاغونيا الشيلية و مضيق ماجيلان ثم تتركهما ماضية نحو الجنوب ، إلى حيث كايب هورن Cap de Hoorn أقصى جزء من العالم يُطل بعده الجنوب المتجمد. و لم ترفأ السفينة في بويرتو ويليامز إلا كي تتزود بالغذاء ثم تمضي دورتها حول رأس هورن ، في طريقها إلى جزر كلب الصيد ، لكني فوجئت في يوم ليلة داجية باردة غير بعيد عن رأس هورن بتوقف السفينة بمحاذاة المنارة ثم أنزلتني و تركتني هناك أواجه مصيري مع الريح الباردة و الجوع. فلم يكن أمامي غير المنارة ، التي توجهت إليها بعد لم تنفع توسلاتي و صراخاتي بما تعلمته من كلمات إسبانية طيلة مشواري مع هؤلاء البحارة القساة الذين يضمرون الشر للعرب.
كان أملي الوحيد في النجاة من البرد و الجوع هو المنارة التي توجهت إليها مهرولا عسى أن أجد فيها ضالتي ، ولكني لم أجد فيها أحدا ، كان المبنى يأخذ شكل أسطوانة حمراء و كان في الطابق الأول فراش دافئ و طاولة عليها بعض الطعام ، تناولته ثم استلقيت حتى أدركني الصباح.
على هذه الأرض التي يجتمع فيها دفئ الحمامات المائية المندفعة بين الصخور مع البرد القارس طوال أغلب فصول السنة ، وجدتني فيها بين لحظة و أخرى كشريد فار من سجن قاسي إلى سجن آخر أقسى ، و حيث لم يقلق وجودي في المنارة أحد وخلا لي جوها الدافئ  ، إذ لم أبرح أفكر في مغادرته إلى البيت الخشبي المقابل على بعد نحو نصف ميل تقريبا إلا بعد أن بدأ الطعام ينفذ. ترى لماذا لم يأتي صاحب البيت إلى منارته للعمل؟ هذا السؤال المحيّر، و هو الذي دفعني إلى المُضي أخيرا إلى البيت الخشبي المشيد فوق ربوة كثيرة الحشائش غير بعيد عن الشاطئ ، و لكني وجدته مقفلا و ليس به أحد هو الآخر! ترى أين أصحابه؟ نزلت إلى الشاطئ لعلي أجدهم هناك غير أن لا شيء ظهر في الأفق ، غير رياح باردة و موج متلاطم يزم الأسماع فرجعت القهقرة إلى البيت و حاولت دخوله من النافذة لكن لم أفلح. أترى رجع أصحابه إلى موطنهم في الشمال أم أن مكروها قد حدث لهم؟ أما أنا فلابد لي من اقتحام البيت لأنه مخلصي من الجوع.
فرجعت لتوِ إلى المنارة على أمل رؤية سفينة ما و قمت بإشعال ضوء المنارة و عدت إلى البيت الخشبي و معي فأسا فحطّمت النافذة و دخلت ، و بقيت نزيل بيت حارس المنارة معتاشاً على مدخراته ، راحلا بين سفانا رأس هورن و جبالها موطن الطيور، راحلاً مغتادا و صائدا مستكشفا حتى أدركت الشهر تقريبا ، الأكيد أني عرفت رأس هورن معرفة أهل مكة بشعبها. ولم يعد أهل المنارة ، ربما يكونون قد غرقوا في البحر أو ربما يكونون قد غادروا إلى غير رجعة. ماذا لو رجعوا؟ ماذا لو اقتربت احدى السفن؟ هذا ما كانت نفسي تحدثني به ، كلما فكرت في الطعام السائر إلى النفاذ يوما بعد آخر، حتى جاء اليوم الذي اقترب فيه يخت من الرأس و راح أحدهم يسألني بلغة أسبانية متروية قائلاً : أين أبوك و أمك؟
فقلت : لا أعرف . فقال لي: ألست أبنهما؟ قلت : لا .
فقال : اركب إذن معنا . من حملك إذن إلى هذا المكان المقفر؟ سنأخذك معنا إلى الشمال.
ــــ " إلى أرض النار؟ " قلت
ــــ ويحك! نحن في أرض النار ؛ رأس هورن ليست غير أرض النار.
ـــ لقد حملني إلى هنا بحارة إسبان أنزلوني و ذهبوا.
ـــ ويحك! إن هؤلاء الإسبان لَقوم مجرمُون استعمروا أرضنا قرونا ، استغلوا فيها خيراتنا شر استغلال.
ـــ أريد العودة إلى الجزائر فهلا أوصلتموني إلى أهلي؟
ـــ ليس بعد أن نعرُج بك على العاصمة بيونس إيرس من ثم نهبك هدية لسفارة بلدك لتتولى أمرك.
ــــ احمد الله. لقد نجوت من موت مؤكد. أما حامي المنارة و زوجته فيبدوا أنهما قد هلكا غرقا في عرض البحر إثر العاصفة التي ضربت المنطقة .
ـــ ايه وي!! يعني أني جد محظوظ ، فقد وصلت بعد العاصفة إذن و نعمت فيها كما ينعُم النزلاء السياح ، و فوق هذا و ذاك  سحت في أرض النار كما ساح فيها المكتشفون الأوائل و لم أدفع فلسا واحدا. تعلمت الملاحة مدة شهر عندما ظللتُ أقفل بين المنارة و البيت الخشبي علي أرى أحدا .
تكتمل قراءة طالب "مجموعة الخلف" لقصته فيتنهد الدكتور سْفر قائلا : بربك أين كنت مختبئا؟ لا تقل لي أنك كنت مختبئا منا في نفسك. أنت مجيد و الله و أفضل مني و منهم! في أدبك خلوة الزهاد ، ليت شعري .. و عجينة و لكنة كأني بها من صنعة الأفذاذ..! فما اسمك؟
ـــ اسمي زيــــ...  يدق الجرس ..
سنكمل الفصل القادم .. وداعاً
بينما يفترق جمع القسم يبقى أصدقاء المجموعة يتحدثون إلى بعضهم البعض :
ــــ مسكين صاحبنا ، إنه صار إلى ما صار إليه جبران و السياب في تعلق وجداني تاريخي غامر بواد قاديشا وﺒ جيكور و النهر، بأدنى شك تكون الكازيرنا هاته و عرعرات جنان البايلك قد أثرتا في طفولته بحيث أصبحت تشداه إليهما شدا مهما كبُر و مهما أخذته مسالك الحياة بعيدا عنهما. إنه مسكين حقا! و من شدة الوجد أنحفه ماضيه ، بل براه كما تبري المبراة القلم.
ـــــ صحيح ، من لقي إشادة من الدكتور سْفر فهو حسبُه ، لأن الدكتور سْفر ليس دكتورا عاديا، و هل يكون عاديا الأستاذ  الذي يقول لطلبته ؛ من شاء منكم فليشكرني و ليطري في شكره و من يشاء أن لا يفعل فلا يفعل ، بل من يشاء فليسلّم علي ومن يشاء فلا يسلّم لأن ذلك لا ينقص من علامته و لا يزيد فيها شيء عندي! وهل يكون عاديا الأستاذ الذي يحث طلبته (المهتمين)على الاختيار الحاسم بين مصنفات المشارقة و مصنفات المغاربة كي لا يحبطوا مستواهم اللغوي ، وهل يكون عاديا الأستاذ الذي يكرر ملحاً على طلبته : أن الناقد الجزائري أجبرته الظروف على ترك نقد المقدسات و السلطويات للناقد العربي في المشرق ليضطلع بدوره (الذي سيشهد له به التاريخ) في نقد لغة و أدب ذلك الناقد الذي يقول "أنا ناقد جزائري"! و لغة و أدب ذلك المبدع الذي يقول "أنا مبدع جزائري"!  إننا بلا شك سنكون أكبر الخاسرين إن هو حُوّل أو رحل.



[1] - واسيني الأعرج : أصابع لوليتا ، طبعة1 طبع دبي للثقافة ، ص 251  هذه الطبعة الصادرة بدبي مصححة و منقحة فما بالك بالطبعة الأولى الصادرة بالجزائر.
[2] - سيد بحراوي : صناع الثقافة الحديثة في مصر مبدعون ونقاد ، دون تاريخ ، من المقدمة الكتاب.
[3] - البايلك كلمة تركية تعني مقاطعة يحكمها باي تركي. والجنان المقصود هنا هو جنان كان يسيره الفرنسيين وأعوانهم في زمن الاستعمار و لما رحلوا احتفظ باسمه القديم وقد ترعرع الكاتب في طفولته بالقرب منه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.